للمشاركة
    ..  تربيتنا
الهيئة المشرفة تابع جديدنا الصور مكتبة الفديو مكتبة تربيتنا تربويات الرئيسية
الثلاثاء 7 سبتمبر 2010م
الـدرس الثانـي - من صفات المـؤمـن وأخلاقه  «^»  الدرس الأول - فطـرة الإنســان و التربية  «^»  4- مكة المكرمة وأهمية التربية في البيئات الصالحة  «^»  3- ثمرات الطاعات في البلد الأمين  «^»  4- ذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صاحبا المؤمن  «^»  3- ذكر الله مطلوب من كل مسلم  «^»  من كتاب لباب الآداب لابن منقذ (4) الحياء  «^»  من كتاب لباب الآداب لابن منقذ (3) فضل التواضع  «^»  قصّتي مع التعليــم  «^»  2- الإيمان في مكة جديد مكتبة تربيتنا
إشكالية تأسيس الأمن الفكري في بلدان المغرب العربي.. بقلم أ.د. نور الدين زمام  «^»  الترفُّع بالنساء العاملات عن الأعمال المهنية الوضيعة .. بقلم د. عدنان باحارث  «^»  مناهج ربانية .. بقلم الأستاذة/ مها المحمدي  «^»  باتجاه الهدف ... أ.عبد الرحمن البارقي  «^»  ماذا تفعل لو زارك ضيف متدين فى بيتك؟ بقلم الدكتور مصطفى محمود - رحمه الله.  «^»  كيف نعود للحياة بقلم/ أ. زبيلة فريد بن عبد القادر [ أبو مريم ]  «^»  المشكلات النفسية والاجتماعية للطفل الموهوب.....بقلم الاستاذة وسيلة بن عامر  «^»  الاستفادة من أوقات الفراغ في الذكر والتسبيح.. بقلم/أ. أحمد بن ناصر الرازحي   «^»  الهوية والقيم .. موت اللغة العربية نموذجاً 2-2 .. بقلم/ أ.ماجد بن جعفر الغامدي   «^»  التربية .... وسلق البيض .. بقلم الأستاذ/ أحمد الغرباني جديد تربويات
مكتبة تربيتنا
البحوث
بناء التصور في القرآن الكريم
د. عبد الحميد سيف الحسامي


بناء التصور في القرآن الكريم
د. عبد الحميد سيف الحسامي
أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة إب , جامعة الملك خالد

يعد بناء التصور السليم للإنسان الغاية الكبرى التي تسعى إليها قيم وتعاليم الدين الإسلامي ؛ لأن سلامة التصور تمكن الإنسان من الإدراك الحقيقي لعلاقته بالله وبالكون وبالحياة ، لذلك فقد ظل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ثلاثة عشر عاماً يبني شبكة التصور لدى أصحابه قبل أن يقوم بالجهر بالدعوة .
ويؤكد العلماء أهمية بناء التصور في الحياة بقولهم : " إن فهم الشيء فرع عن تصوره " أي أن وعينا بالأشياء من حولنا يتأسس على مقدار تصورنا لها ، ومعرفتنا عنها ،وعلى ذلك فإن المقصود بالتصور هو الرؤية التي تتشكل لدى الفرد وتحدد طبيعة علاقته بالله والكون والحياة .
وقد ذكر المولى عز وجل في سورة الملك قوله :
" أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم"
ولا شك في أن الآية تقابل بين النقيضين : الماشي الذي يعثر بين الفينة والأخرى فينكب على وجهه مقابل الماشي سوياً على صراط مستقيم ، الأول يسير بطريقة معكوسة ، ويغدو وجهه الذي ينبغي أن يكون في الأعلى متجهاً نحو الأسفل فيكاد يمشي بصورة معكوسة وفي ذلك التعبير نوع من الإهانة والتحقير لهذا الأنموذج الإنساني الذي يتعشق مقارفة الانحراف، بل ويستمرئ عكس السنن ، فأصبح يمشي مكباً على وجهه ، ولك أن تتخيل شخصاً يمشي بهيئة معكوسة ، وغدا مكباً على وجهه الذي فيه عدد من الحواس التي تعد جهاز استقبال وإنتاج للمعرفة ففيه العين حاسة الرؤية والإبصار وفيه الأنف حاسة الشم واللسان حاسة الطعم وفوق ذلك كله فالوجه مناط تكريم وإجلال ، ولذا يحرم الإسلام إذلاله بالضرب أو بسواه ، حتى وجه الحيوان ؛ فقد لعن النبي الكريم من وسم حماراً في وجهه .
لكن الشخص الذي يسير في سبل الغي يكون قد دسى وجهه ونفسه ، وعكس التصور فانعكست الصورة ، أما السوي فإنه يسير على صراط مستقيم ، ولا شك في أن هذه المقارنة بين هاتين الصورتين تعكس مدى التبشيع والتشنيع الإلهي بمن يعكس بوصلة الفطرة ، ويقلب نواميس الحقيقة ، وتؤكد دلالة المفهوم الذي يتوخى الأسلوب القرآني تحقيقه فينا .
ولأهمية بناء التصور لدى الإنسان تضمنت الفاتحة قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم " حتى تكون شعاراً للمؤمن يردده بين الفينة والفينة فيظل على تواصل فعال وحضور دائم في درب الاستقامة .
إن استقامة التصور تفرز استقامة في السلوك سواء أكان هذا السلوك عقلياً ونفسياً أم كان سلوكاً لفظياً لسانياً أم كان سلوكاً عملياً.
وقد قال الجاحظ : " لا يضيع امرؤ صواب القول حتى يضيع صواب العمل "
فالمسألة مترابطة ، والشخصية منظومة متكاملة من القيم ، فمن ضيع صواب التصور ضيع صواب الحكم على الشيء ، ومن ضيع صواب الحكم ضيع صواب القول ، ومن يضيع صواب القول يضيع بالتأكيد صواب العمل ، لان القول والعمل والهواجس النفسية والخواطر الذهنية كلها أنماط من السلوك تنبثق من مشكاة واحدة هي التصور .
وقد عرض القرآن الكريم نماذج لاستقامة التصور كما عرض نماذج لانحراف التصور نقتطف منها ما يأتي :
أولاً : سلامة التصور :
عرض القرآن نماذج عديدة للتصور السليم وأثره على الفرد ومن ذلك :
1- أهل الكهف : عرض القرآن الكريم في سورة الكهف نبأ أصحاب الكهف وسميت السورة باسم المكان الذي احتواهم وصار يعرف بهم ويعرفون به ، يقول عزوجل :
" أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا(10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)
فأصحاب الكهف فتيان لجأوا إلى الله عزوجل وسألوه أن يتفضل عليهم بالرشد
وقد " روي أنهم كانوا شباناً من أبناء أشراف الروم وعظمائهم مطوقين مسورين بالذهب ذوي ذوائب "
فقد كان تصورهم مستقيماً وتجسدت استقامة التصور عبر عدد من الممارسات الأدائية تلفظاً وفعلاً ، كما يأتي :
- إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ "وهذا الفعل يجسد القدرة على رفض الواقع البائس ، واختيار العزلة أو الاعتزال يعد تعبيراً عن ذلك الرفض .
- فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا." فهذا السلوك القولي يأتي تعقيباً لفعل الرفض ، وهو تعبير عن طبيعة التصور الذي يعتنقوه ويجسد هويتهم فهناك فاعلية استبدال : اختاروا الله والإيمان به القائم على البرهان بدلاً عن قومهم المتخذين من دونه أولياء دون سلطان بين . وفضلوا الاعتزال المؤمن بدلاً عن الاختلاط أو الذوبان في مجتمع جاحد . واعترضوا على منطق القوم بقولهم " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا .
ِإّذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا -
شَطَطًا (14)
: فعبروا عقب القيام بتأكيد القناعة وترسيخها ، وجزموا - بلن التأبيدية - أن لا يحيدوا عنها ، وبينوا عاقبة النكوص - على افتراض أنهم فعلوا ذلك - .
- هؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
وهنا تبيين للرفض ومسوغاته فبينوا الواقع الكائن ، ثم وضعوا اقتراحاً على سبيل المحاورة ، والتدرج في نسف فرضية قومهم ليصلوا إلى تأكيد زيف الادعاء " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا "
لقد استبان رشدهم فلجأوا إلى الله ، وقهروا نوازع الشباب وأهوائه واستهانوا بالطغيان وأعوانه فكانت الحماية الربانية السابغة متعددة في ألوانها ، آية في انتظامها ، آمنوا بربهم فزدناهم هدى وكان التكريم الذي تحمله الصيغة اللغوية في عدولها من الغائب إلى المتكلم " بربهم – زدناهم " ولم يقل زادهم " فهذا الحضور يجانسه حضور على مستوى الرعاية والحفظ " فضربنا – بعثنا _ ربطنا على قلوبهم " وياله من تعبير دال ومكثف فما أجمل الربط الإلهي العاصم والمانع ، والربط الوثيق العميق ، الذي تجلت آثاره في القدرة على تجاوز السائد واجتراح طريق التساؤل الرشيد ، والرشد المتسائل الذي لا يقنع ولا يقتنع بالمألوف الذي لا يستند لبرهان ، ولا ينهض على حجة ، ويظل يشعل جمر السؤال الذي لا ينطفئ في أعماق الروح ، وتضاعيف الفكر .
فسخر المولى عناصر الكون وغير من سننه " فالشمس تزاور عن كهفهم " في حركة رفيفة ورقيقة تمنحهم من شعاعه ما يسهم في حفظ كيانهم المشع بالحقيقة .
والكلب باسط ذراعيه يحرسهم بهيئته ، كما حرسوا القيم الإيمانية وحفظوها معنى يمنح السائرين على درب الحقيقة ، المتشبثين بوهج الأمل .
- ويقلبهم الله ذات اليمين وذات الشمال " كما قلبوا الأفكار والآراء فانبثقت يقين حياة وحياة اليقين من بين ركام الموت الجماعي القاهر .
وجعلهم رقوداً لكن بهيئة الأيقاظ ، ليكونوا آية ناصعة تمنح المقهورين - الذين يحسبهم الناس أمواتاً وهم أحياء بقيمهم وإيمانهم الخصيب الذي يثمر قوة ومنعة واستعصاء _ تمنحهم عزاء وسلوى بهذا الأنموذج الخالد بنص الكتاب العزيز .
وهكذا كان التصور السليم القائم على الاهتداء عاملاً في خلق الشخص الموقف ، والممارسة السليمة قولاً وعملاً ويقيناً نفسياً وفكرياً .
2- امرأة فرعون :إذا كان الفتية أصحاب الكهف والرقيم يشكلون مثلاً للتصور المستقيم القادر على التحدي والرفض فإن امرأة فرعون تعد أنموذجاً للمرأة التي تمكنت من تمثل التصور السليم بشتى أركانه : لله والكون والحياة ، وتمثل مفارقة عجيبة استحقت أن تكون مضرب المثل :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)
فقد تجسد تصورها من خلال دعائها لباريها أن يبني لها بيتاً في الجنة تعويضاً عن بيت الملك والنعيم المقفر من روح الإيمان ، البيت الذي عزمت على مغادرته ، وحلقت في سماء المعنى ورفرفت في فضاء النصر لتجسد انتصار أشواق الروح على رغائب الجسد وعانقت بتصورها آماد الخلود الدائم ، وتبرأت من ملك محدود زائف ، قائم على شفا جرف هار .
وهي كذلك تتبرأ من زوجها إذ لا لقاء بين تصورين متضادين تصور سليم وتصور سقيم ، إنها تتبرأ من مَلِك يتأله ولا يرى لقومه إلها سواه ، وتؤكد أيمانها بربها وبعدله في أن يبدلها جواراً خيراً من جوارها وملكاً أعظم من ملكها ، ونجاة من القوم الظالمين الذين تتوقع أن يسوموها سوء العذاب مقابل موقفها الصارم .
4- مؤمن آل فرعون :
ويأتي الرجل المؤمن الذي يحمل تصوره المبصر في فضاء النفاق والتضليل الذي تقوم به الحاشية لتحظى برضا السلاطين ، مؤمن ينتفض فيه دم الحياة ويفور في أعماقه الإحساس بالذات ، فيقدم اعتراضه على المشهد المتآمر ينسف القرار بالحجة المقنعة .ولم يحمله كتمان إيمانه على أن يكتم موقفه في اللحظة الحرجة التي تقتضي صرامة في اتخاذ الموقف .
" وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)
لقد أبرز الحجة بتقديم الاحتمالات التي تستدرج المتلقى للخطاب ، ويستدعي التاريخ فيستشهد به ، ويحذر من المصير المتوقع ، ويفرغ خطاب فرعون من محتواه ، حين يقدم الشرط " ومن يضلل الله فما له من هاد " عقب تقرير فرعون " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد "
وهكذا يقدم رؤية إيمانية حكيمة ومستوعبة ومتنورة بنور الإيمان ويضع نفسه في موقع الشخصية المسؤلة عنهم الحريصة عليهم ، ويتحرك في الزمن الغابر يقبس منه الشاهد ، والحاضر فيقدم فيه وجهة النظر يقوم القرار ويوجه السبيل ، والمستقبل يرسم له صورة محتملة ونتيجة ممكنة لموقف الإعراض عن منهج الله وتسفيه داعي الله ، ومحاولة قتله .

ثانياً : انحراف التصور
أورد القرآن عدداً من النماذج التي تبين انحراف التصور ومظاهر هذا الانحراف ومن ذلك :
قوم سباً :-
حكى الله عنهم بقوله : " لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20)
وهنا نلحظ تلازم السبب والنتيجة من خلال السلوك الناجم عن فساد التصور وهو الإعراض " فأعرضوا " وجاء رد الفعل أو جزاؤه عقب الإعراض " فبدلنهم ".
كما أن انحراف تصورهم أثر على منطقهم وسلوكهم اللساني القولي فانحرف فقالوا : " ربنا باعد بين أسفارنا " أي أن فساد التصور قد نجم عنه سلوك نفسي فكري يتمثل بالإعراض عن آية الله المتمثلة بالجنتين ، ونجم عنه سلوك لساني يتمثل بقولهم ربنا باعد بين أسفارنا " وكانت النتيجة متمثلة باستبدال " فأرسلنا .. وبدلناهم .. جعلناهم أحاديث .. مزقناهم كل ممزق " ونلحظ أن العقوبة كانت عاجلة بدليل حرف العطف الفاء الدال على الترتيب والتعقيب في الحالتين : فأرسلنا عليهم سيل العرم – فجعلناهم أحاديث.
2 - كفار قريش ، قال الله - تعالى - عنهم :
" وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
لقد أدى انحراف التصور لديهم في انحراف منطقهم فقالوا : " اللهم إن كان هذا الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " وكان الأحرى أن يقولوا : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه "
3- ابن نوح : " إذ ناداه أبوه " وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ "
4- قوم لوط الذين حكى القرآن الكريم عنهم " ... وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)
5- قارون ويتجلى فساد تصوره للمال وظن بل اعتقد انه تملكه بقوته وعلمه فكان الهلاك : قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
وعندما خرج على قومه ، تباين الناس في نظرتهم إليه وصاروا على فريقين وإن شئت فقل على تصورين :
الأول تصور الطامعين في الدنيا :
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)
والثاني : تصور الراغبين في الآخرة أو تصور أهل العلم ، فالعلم المستقيم يفرز تصوراً مستقيماً :
" وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)
وكانت العقوبة الفردية وربما هي العقوبة الفردية الوحيدة التي عرضها القرآن الكريم :" فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)
ومثلت هذه العقوبة هزة عنيف لأصحاب التصور المنحرف فعادوا إلى صوابهم
" وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)
6- امرأة نوح وامرأة لوط :
ضربهما الله عزوجل مثلاً : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)
التحول في التصور
أورد القرآن عددا من النماذج الدالة على انحراف التصور مبيناً طبيعة التحول الذي طرأ غليها بتأثير الآية الربانية ومن تلك النماذج :
1- سحرة فرعون : قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)
وفي سورة الشعراء قال عزوجل :
" وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)
حينما تعرض هؤلاء السحرة لصدمة الحقيقة استقام تصورهم فانعكس ذلك على منطقهم وغايتهم وموقفهم لقد جاؤا ليكونوا في مواجهة سيدنا موسى وكانت غايتهم الأجر المادي وحينما ألقوا حبالهم أو عصيهم كان قسمهم بعزة فرعون إذاً فالموقف مناصر لقوى الظلال والطغيان والغاية حفنة مال وحظوة في المقام وهي غاية أو غايات محدودة كما أنهم حين أقسموا كان قسمهم بعزة فرعون لكنهم تحولوا بفعل الموقف الرهيب فـانعكست الأمور إذ استقام التصور فتحول الموقف إلى إيمان بعد كفر وإلى مناصرة للحق بعد التأييد للباطل وتحول هدفهم من هدف دنيوي آني " إنّ لنا لأجراً " إلى غاية بعيدة " إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا " وتحول منطقهم فأقسموا بالذي فطرنا مقابل " بعزة فرعون " وأصبحوا مستعدين لمواجهة الموت والصلب وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف ... في سبيل الحقيقة والثبات على الموقف وهكذا .
2- أصحاب الجنة :
ذكر الله عز وجل قصتهم في سورة القلم ، فقال: "
إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)
لقد بيَّت هؤلاء النية لقطف الثمار في وقت باكر لا يتمكن فيه المساكين من الحضور لاستلام حصتهم التي شرعها الله لهم ، واعتادوها في حياة الأب الذي كان يثمر جنته بالصدقة والعطاء ، فقطع الأبناء العزم على حرمان المساكين من حقهم ظنا منهم بأنهم أذكى من أبيهم ، فكان الجزاء كما قال تعالى " فأصبحت كالصريم" لقد كانت النية سوداء فأصبحت الجنة سوداء كالليل المظلم ، فالجزاء من جنس العمل . " ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله " .
والطريف أن هؤلاء لم يكونوا قد باشروا عملية المنع الفعلي لكن مجرد الحركة النفسية الداخلية كان كفيلاً بان يجعلهم يستوجبون العقوبة ، التي نزلت ليلاً ، ولعل الفاء الدالة على الترتيب والتعقيب توحي لنا بأن الطائف الذي طاف على الجنة تحرك بأمر الله فور انعقاد النية الحاسمة المؤكدة بالقسم الحاسم فلا استثناء لديهم وكذلك الطائف لا استثناء لديه فلم يبق منها شيئاً دالا حتى على وجودها ، لقد ضيعوا الطريق إليها وشعروا بالتيه " إنا لضالون " لأنهم ضيعوا طريق الرشد وفقدوا مصباح التصور ، وحرموا من الجنة مقابل نيتهم حرمان المساكين ، واعتدوا بالقدرة الذاتية " غدوا على حرد قادرين " فوجدوا بأن هناك قوة جبارة كفيلة بأن تحدث فيهم هزة عنيفة تزلزل أعماقهم وتعيد لهم رشدهم، كما أنهم رصدوا التوقيت الكفيل بتحقيق المهمة فكان التوقيت الإلهي أسبق .
وانطلقوا وهم يتخافتون فانطلق الطائف الإلهي في إسرار أبلغ وهم نائمون ، كما أنهم أزمعوا حرمان مساكين غافلين لا يدركون ما يحاك لهم في الظلام ، فعوقبوا وهم غافلون لا يدرون ما حاق بهم في بهيم الليل .
وهكذا حين يغيب التصور تفسد النفوس وينحرف سلوكها الداخلي وينحرف منطق التعبير فتكون العقوبة بقدر الانحراف .
وهكذا سنجد سلسلة طويلة من النماذج التي عرضها القرآن مبيناً ملامح استقامة أو انحراف التصور ومدى أثر ذلك في تشكيل طبيعة السلوك الداخلي أو الخارجي الناجم عن ذلك ، وطبيعة الجزاء المترتب عليه ، و لك أن ترجع البصر مراراً في آيات القرآن لتستبين صوراً أخرى في هذا السياق .
الخلاصة : تبين مما سبق ما يأتي :
1- أن منهج الله كفيل بأن يبني تصوراً سليماً للإنسان يستوعب رؤيته للخالق وللكون وللحياة ، ضمن منظومة مترابطة متكاملة .
2- أن سلامة التصور تؤدي إلى سلامة النوايا النفسية والهواجس الفكرية ، وسلامة المنطق اللساني وسلامة السلوك الفعلي .
3- أن فساد التصور يؤدي إلى انحراف في المشاعر الداخلية واعوجاج في المنطق وفساد في الأفعال .
4- أن السلوك الناجم عن سلامة التصور أو انحرافه في كل مستوياته - شعورا نفسياً خفياً ، أو تلفظاً لسانياً أو سلوكاً عملاً - يجسد موقف الإنسان ويترتب عليه نوع الجزاء: ثواباً أو عقاباً .
- أن سلامة التصور تحقق للإنسان الانسجام مع خالقه ومع ذاته ومع مجتمعه ومع الكون والحياة .
- أن سلامة التصور تحقق القبول والرضا لدى المولى عزوجل .
- أن سلامة التصور تحقق الاستقرار النفسي والعقلي والحياتي .
- أن سلامة التصور تحقق القدرة على الإبداع والإنتاج .

نشر بتاريخ 20-11-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 9.01/10 (48 صوت)


 




الساعة والتقويم

ابحث في قوقل
Google



الهيئة المشرفة ϖ تابع جديدنا ϖ الصور ϖ الصوتيات ϖ مكتبة الفديو ϖ مكتبة تربيتنا ϖ تربويات ϖ المنتديات ϖ الرئيسية
Powered byv2.0.0
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.tarbyatona.net - All rights reserved