إن من أحب الأعمال إلى الله أن يحافظ المسلم على ما افترضه عليه من العبادات والأوامر، وأ، يترك ما نهى عنه من الزواجر، وفي ذلك زيادة للإٌيمان، كما أن في أداء الأعمال التطوعية التي لم تفترض على العباد زيادة في الإيمان وإرغام للشيطان ،وشغل للأعمار والأوقات بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ويرفع درجات العبد يوم القيامة ليصل إلى المرتبة العليا من الجنة ، مع المنعم عليهم والمصطفين الأخيار ، يقول تعالى : {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (النساء:69) .
ومن فوائد النوافل أنها تكمل ما نقص من الفرائض، فعن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة ،قال يقول ربنا عز وجل لملائكته وهو أعلم : انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامةً كتبت له تامةً ، وإن كان انتقص منها شيئاً قال : انظروا هل لعبدي من تطوع ؟ فإن كان له تطوع قال : أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاك ) . كما أن هذه النوافل فيها تعويد وتكرار في أداء الأعمال، مما يؤدي إلى مرحلة الإتقان والإجادة التي ينشدها المربون في تربيتهم وتعلميهم .
وفي البلد الأمين يمارس المسلم أنواعاً من العبادات والطاعات، فمن أداء للصلوات إلى التنعم بأنواع النوافل والمندوبات في المسجد الحرام، كالطواف وتقبيل الحجر الأسود، وأداء العمرة وغيرها.
ذكر المحاسبي أن لنوافل العبادات ست مزايا هي : "تكميلاً للفرائض وتكفيراً للسيئات ، شكراً للمنعم سبحانه ، وتجريداً للقلوب وحياتها وعمارتها ، وربحاً للعمر أن يخسر منه ساعةً في غير طاعة، وكراهةً وجزعاً أن يدخل بين المريد وبين ربه غفلة ولدوام الاشتغال به والإقبال عليه، ولخفة الحساب وطول الحبس في الموقف وللقربة من الله وارتفاع الدرجات" .
فالمحافظة على الفرائض والإكثار من النوافل يفعلها المتربي ليترقى في درجات الإيمان ، يقول عبدالحميد الزنتاني : " فالالتزام بأداء هذه الفرائض يغذي الإيمان ويقويه بصورة مستمرة ، ويشيع الإحساس في المسلم برقابة الله تعالى والصلة الدائمة به فيتحقق لديه معنى العبودية الكاملة لله وحده دون سواه ، ويكون سلوكه وخلقه ترجماناً حياً لإيمانه وطاعته وعبادته" .
ويتفاوت المتربون في درجات إيمانهم حسب تصديقهم وانقيادهم ، كما قال تعالى :{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (فاطر:32) . وهنا يأتي دور المربي لتحفيزهم على بلوغ أقصى درجات الكمال الإيماني ، والفوز بدرجات السابقين بالخيرات . والتحفيز عملية تربوية تتنوع طرقها وتتعدد وسائلها ، وتهدف إلى جعل المرغوبات واقعاً ملموساً، وسلوكاً معتاداً .
وتبدأ العملية التحفيزية بحث المتربين على أداء الفرائض والمحافظة عليها ، ثم الإكثار من نوافل العبادات، يقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه) .
وللنوافل والطاعات عموماً فوائد وثمرات تظهر على المتربين منها :
أ – الإكثار من الحسنات وملء الصحائف بأعمال البر والعبادات التي تنفع الإنسان في الدنيا وترفعه عند الله في الآخرة ، ومن تقرب إلى الله بالصالحات يسر له الخيرات وجنبه الموبقات ، قال تعالى {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى .فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى .وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى.فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (الليل:4-7) . فيهديه ربه للخير ، ويوفقه للحسنة ثواباً للتي قبلها . ب – تكوين الشعور بمحبة الله والرجاء فيما عنده ، فيبادر المتربي إلى فعل الطاعات وتجنب السيئات ، ويسعى إلى الإكثار من محبوبات الله ، ويتلذذ بشغل أوقاته وتفكيره بها ، قال تعالى : {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة:93) .
ج – تكوين عاطفة الخوف من الله ، فتتوجه هذه العاطفة نحو من بيده تصريف الأمور سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:175). د – جلب السعادة والطمأنينة والراحة النفسية ، قال تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد:28) .
هـ – تأهيل المتربين لمواجهة الصعاب والمحن ، قال تعالى : {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:156-157) و - تقوية الرقابة الداخلية أو ما يسمى بالضمير ، فيحكم على تصرفاته ويراقب همه ونوازعه ، فلا يقدم إلا على ما يرضي الله ، ويحاسب نفسه بنفسه في جميع أعماله ، قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (الحشر:18) . ز - تكوين الحصانة القوية ضد الشبهات والشهوات ، فلا تنحرف نفس المتربي نحو نوازع الشيطان والنفس الأمارة بالسوء أو نحو الصحبة السيئة،بل تكون جميع نوازعها وتوجهاتها نحو ما يرضي باريها سبحانه وتعالى . قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (الأعراف:201) .