للمشاركة
    ..  تربيتنا
الهيئة المشرفة تابع جديدنا الصور مكتبة الفديو مكتبة تربيتنا تربويات الرئيسية
الثلاثاء 7 سبتمبر 2010م
الـدرس الثانـي - من صفات المـؤمـن وأخلاقه  «^»  الدرس الأول - فطـرة الإنســان و التربية  «^»  4- مكة المكرمة وأهمية التربية في البيئات الصالحة  «^»  3- ثمرات الطاعات في البلد الأمين  «^»  4- ذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صاحبا المؤمن  «^»  3- ذكر الله مطلوب من كل مسلم  «^»  من كتاب لباب الآداب لابن منقذ (4) الحياء  «^»  من كتاب لباب الآداب لابن منقذ (3) فضل التواضع  «^»  قصّتي مع التعليــم  «^»  2- الإيمان في مكة جديد مكتبة تربيتنا
إشكالية تأسيس الأمن الفكري في بلدان المغرب العربي.. بقلم أ.د. نور الدين زمام  «^»  الترفُّع بالنساء العاملات عن الأعمال المهنية الوضيعة .. بقلم د. عدنان باحارث  «^»  مناهج ربانية .. بقلم الأستاذة/ مها المحمدي  «^»  باتجاه الهدف ... أ.عبد الرحمن البارقي  «^»  ماذا تفعل لو زارك ضيف متدين فى بيتك؟ بقلم الدكتور مصطفى محمود - رحمه الله.  «^»  كيف نعود للحياة بقلم/ أ. زبيلة فريد بن عبد القادر [ أبو مريم ]  «^»  المشكلات النفسية والاجتماعية للطفل الموهوب.....بقلم الاستاذة وسيلة بن عامر  «^»  الاستفادة من أوقات الفراغ في الذكر والتسبيح.. بقلم/أ. أحمد بن ناصر الرازحي   «^»  الهوية والقيم .. موت اللغة العربية نموذجاً 2-2 .. بقلم/ أ.ماجد بن جعفر الغامدي   «^»  التربية .... وسلق البيض .. بقلم الأستاذ/ أحمد الغرباني جديد تربويات
مكتبة تربيتنا
البحوث
الحزن والاكتئاب من المنظور الإسلامي
د. : أحمد بن محمد حسين عسيري


الحزن والاكتئاب من المنظور الإسلامي:
يعتبر الحزن أحد مظاهر الاكتئاب، وقد شاع استخدام مفهوم الحزن في التراث، أما مفهوم الاكتئاب فهو حديث نسبياً. والحزن يعني الهم، وحزن الرجل حَزناً وحُزناً بمعنى اغتم، وكئب الرجل أي تغيرت نفسه وانكسرت من شدة الهم والحزن . فالحزن يحصل لكل الناس وإذا استمر وطال صار اكتئاباً(1) .
والحزن محنة وبلاء من الله بمنزلة المرض والهم والغم وهو ليس من الصفات المحمودة والمطلوبة (ابن القيم،ت751،ط2،1393) . فالحزن لم يأمر به الله ولا رسوله بل قد نهى عنه في مواضع كثيرة ، وإن تعلق بأمر الدين كقوله تعالى:  وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران:139) وقوله تعالى:  وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (النحل: الآية127) وقوله تعالى:  إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (التوبة: الآية40 ) وقوله تعالى:  وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  (يونس:65) وذلك لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه. ومالا فائدة فيه لا يأمر الله به. (ابن تيمية،ت728،ط2)
وقد تبين أن هناك من الحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه كالحزين على مصيبة الدين فيكون محموداً من تلك الجهة لا من جهة الحزن، بل إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله ورسوله به كان مذموماً، وإن كان محموداً من جهة أخرى. (المرجع السابق). فقول الله عز وجل وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (التوبة:92). فلم يمدحوا على نفس الحزن وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم. وأما قوله في الحديث الصحيح: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ)(2)
فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه (ابن القيم،ت751،ط2، 1393) . وسر ذلك كما يرى ابن القيم: "أن الحزن موقف غير مسير ولا مصلحة فيه وهو أحب شىء للشيطان أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه قال تعالى:  إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ  (المجادلة 10). وقد استعاذ منه النبي فقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ ) (1) فالمكروه الذي يرد على القلب أن كان لما سيتقبل أورثه الهم وإن كان لما مضى أورثه الحزن وكلاهما مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم". (ابن القيم،ت751،ط2، 1393،ج1،ص506) وهنا إشارة إلى أن الحزين في كثير من الأحيان ينطوي على نفسه حيث ينفرد بمصيبته أو يشعر بذنبه وخطيئته وينقطع عن الناس لقلة حيلته في حل مشكلته (النغيمشي،1422). مما يعطل سلوكه الإيجابي ويحبسه في دائرة الاكتئاب.
ويرى ابن القيم أن الحزن من الأمور التي تصيب الناس بحسب واقع الحياة نظراً لما يواجهونه فيها من ضغوط وأحداث تثير الحزن لديهم. فيذكر ذلك بقوله:"ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها  وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ  (فاطر: 34) فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب"(ابن القيم،ت751،ط2،1393،ج1،ص506).
وباستقرائنا لموضوع الحزن كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية نجد أنهما عولجا في ثلاثة محاور:
المحور الأول : مظاهر الحزن .
المحور الثاني : الأسباب الجالبة للحزن .
الححور الثالث: علاج الحزن .
المحور الأول :مظاهر الحزن:
أشار القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة إلى بعض المظاهر المرتبطة بالحزن ومن هذه المظاهر ما يلي:
1- مظاهر جسمية كضيق الصدر: فضيق الصدر وانقباضه إحساس يصاحب الحزن، وقد عبر القرآن عنه بقول الله عز وجل:  وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (النحل: الآية127)
ومن مظاهره الجسمية أيضاً تغير ملامح الوجه وتحوله إلى سواد تعلوه كآبة من سوء ما وقع بالمحزون، قال تعالى:  وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ  (الزخرف:17).
ومن هذه المظاهر أيضاً ، البكاء حيث يلاحظ على المحزون البكاء الذي يعبر عن الأسى والحسرة، الذي يحس به المحزون. قال عز وجل :  وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ  (يوسف: 84).
2- مظاهر انفعالية من الهم والغم والإحساس بالكآبة ومشاعر القنوط واليأس، وصور الله عز وجل ذلك في قصة الثلاثة الذين خلفوا، قال تعالى:  وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  (التوبة:120).
3- ومن مظاهر الحزن أيضاً، مظاهر سلوكية تمثلت في الانعزال والانطواء والانكفاء على الذات. قال تعالى:  وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ  (يوسف:84). وهذا مما يزيد في ألم النفس، ويهيج الحزن ويضاعفه. وتتضح لنا هذه الصورة في حديث الرسول  الذي رواه أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ. قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ- هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي) (1). وتؤدي كثرة الأحزان والهموم إلى ظهور الانطوائية على شخصية المحزون، حيث يقضي جل وقته خالياً بنفسه منقطعاً لا يطيق الاجتماع بالناس.(النغيمشي،1421) فعن عبد الله بن جعفر رضى الله عنه قال: لما جاء نعي جعفر – حين قتل – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اصْنَعُوا لِأَهْلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ ) (2).
4- مظاهر معرفية تمثلت في التفكير في الموت: فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهما قَالَ: (قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) (3). كما يصور لنا القرآن ذلك الأمر في قصة مريم بنت عمرآن قال تعالى:  قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا  (مريم:23) فمريم الناسكة العابدة ومن بيت النبوة حملت من الهم بسبب - ما حصل لها من الحمل بدون زوج – ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال.

المحور الثاني : الأسباب الجالبة للحزن
ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يبين الأسباب الجالبة للحزن ومنها :
1- الحزن على أمور الدين :
قال تعالى:  وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ  (آل عمران : 176)، وقال تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (التوبة :92) .















2- الحزن على فقد شىء محبوب :
فالحزن كما عرفه ابن مسكويه: ألم نفساني يعرض لفقد محبوب، أو فوت مطلوب. ويقول أيضاً: من يظن أن ما يحصل له من محبوبات الدنيا، يجوز أن يبقى ويثبت عنده، أو أن ما يطلبه من مفقوداتها لابد أن يحصل ويصير في ملكه؛ فإن حزنه لا ينقطع، وذلك أنه لا يعدم في كل حال من فوت مطلوب ، أو فقد محبوب. (ابن مسكويه، ت 421)
وجاء في البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ فَقَالَ: أَقَدْ قَضَى؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا؛ فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ أَوْ يَرْحَمُ ) (1).
3- الحزن على فوات أمر من أمور الدنيا : قال تعالى:  مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  (الحديد:22-23). وفي هذا الشأن عرف ابن القيم الاكتئاب في كتابه روضة المحبين بأنه افتعال من الكآبة، وسؤ الحال والانكسار من الحزن، وتنتج من حصول الحب وفوت المحبوب. (ابن القيم، ت751،ط6، 1419)
4- الشعور بالعجز والضعف أمام التحديات والمصاعب :
قال تعالى :  وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  (آل عمران : 139)، وقال صلى الله عليه وسلم : (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) (2)
فكل مسببات الحزن السابق ذكرها تشير إلى أن الحزن يعود لأسباب خارجية، وتشير الدراسات النفسية أن الاكتئاب الاستجابي هو حالة من الحزن الشديد المستمر تنتج عن الظروف المحزنة الأليمة، وتعبر عن شيء مفقود. (زهران، 1997)

المحور الثالث : علاج الحزن
يمكن أن نقسم علاج الحزن كما ورد في القرآن والسنة المطهرة إلى الأقسام التالية:
أولاً:العلاج الإيماني للحزن:
وهذا النوع من العلاج تميز به المنهج الإسلامي على غيره من المناهج النفسية، فيكون عن طريق:
1-الإيمان والعمل الصالح: يقول الله تعالى:  مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  (النحل:97)، فأخبر الله تعالى ووعد - وهو الذي لا يخلف الميعاد - من جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الدار، وبالجزاء الحسن في هذه الدار وفي دار القرار، وسبب ذلك أن المؤمنين بالله الإيمان الصحيح يتلقون المنافع بشكر الله عليها واستعمالها فيما ينفع، ويتلقون المضار بالمقاومة بما يمكنهم والصبر الجميل. (السعدي،ت 1376 )
2-الإيمان بالقضاء والقدر: يقول تعالى:  مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  (الحديد:22-23). فيقول الإمام الزمخشري في تفسير هاتين الآيتين: يعني أنكم إذا علمتم أن كل شيء مكتوب ومقدر عند الله، قل أساكم على الغائب، وفرحكم على الآتي، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة، لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه وأن وصوله لا يفوته بحال،لم يعظم فرحه عند نيله. فالتسليم بقضاء الله وقدره يعد من الأسس التي يستند عليها، ويستأنس بها عند وقوع المصائب وعند الإخفاق والفشل. فالمؤمن لا يحزن ولا يضجر لما قدر له. (النغيمشي،1421)
3-الصبر عند البلاء : يقول تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين  وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون  وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ  (البقرة:153-157)، والمتأمل في هذه الآيات يراها قد أمرت المؤمنين بأن يستعينوا بالصبر والصلاة، ثم أخبرهم الله تعالى بأنهم سيتعرضون في حياتهم لصنوف من المكاره،كالخوف والجزع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، فعليهم أن يوطنوا أنفسهم على تقبلها بثبات لا جزع معه، وسيثيبهم الله على ذلك ثواباً عظيماً . والمنهج الإسلامي ربط بين الشدة والمعاناة وبين الجزاء المترتب عليهما، فقد ورد عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ (1) فإن الصبر واحتساب الأجر يزيل مشاعر لوم الذات والندم المستمر والشعور بالذنب التي يقررها علماء النفس كأعراض مصاحبة لحالات الحزن والاكتئاب، فليس أفضل من أسلوب بث الأمل في نفس المصاب والنظر إلى المصيبة بمشاعر حسن البلاء وانتظار الجزاء والنظر إلى أن تكفير الذنوب والتجاوز عن السيئات من مقاصد الابتلاء والعناء في هذه الحياة. (النغيمشي،1421)
4- عن طريق الدعاء لله وتقوية العلاقة به: فهذا أفضل ما يتسلح به المؤمن، والدعاء منه ما يكون وقائياً أو علاجياً: فالدعاء الوقائي يتمثل لنا في قوله صلى الله عليه وسلم: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) (1). والدعاء العلاجي يتبين لنا في قوله صلى الله عليه وسلم: ( مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ؛ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي،
وَذَهَابَ هَمِّي؛ إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا. قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا) (1) .

ثانياً: العلاج الكيميائي للحزن:
وذلك باستخدام أشربة وأطعمة تؤثر في كيميائية الجسم. فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها كانت تأمر بالتلبين للمريض وللمحزون على الميت وكانت تقول إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ)(2).
ثالثاً: العلاج السلوكي للحزن:
وذلك بالقيام بأنشطة سلوكية عملية، قال تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ  فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ  وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ  (الحجر:97-99). وكما قال صلى الله عليه وسلم :(عَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَإِنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ الْهَمَّ وَالْغَمَّ ) (3) .

رابعاً: العلاج المعرفي للحزن:
ويتم ذلك عن طريق التعامل مع الأفكار والمعتقدات ومنها:
أ-النظرة الإيجابية للابتلاء :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) (4) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (1) . فهنا نرى أن للمصيبة والأحزان عند المسلم مفهوماً خاصاً، فهو علامة على محبة الله للعبد، فإذا اعتقد المسلم هذا اطمأن وزاد استسلامه لقدر الله (الخاطر،1412). ويرى علماء النفس المعرفيون أن الاستهداف للمرض النفسي يقع عندما يحاول الفرد تفسير الأحداث التي تواجهه، ويعيد صياغتها بناءً على معتقداته، وأنماط تفكيره، وإدراكه للموقف أو الحدث الذي يواجهه . فالفرد يشعر بالحزن عندما يدرك الموقف ويفسره على أنه ينطوي على خسارة، أو هزيمة، أو حرمان، أو فقدان لشيء مهم. وعادة ما نستجيب لهذا الموقف بالانسحاب منه وتجنبه ( عبد الستار،1998).
ب_ رفع مستوى تقدير الذات :
قال تعالى : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين  (آل عمران:139)، فالنفس الضعيفة تقبل الانهزام بسهولة، وهنا دعوة للشعور الذهني بالإعزاز والاستعلاء الذي يجب أن تكون عليه ذات المؤمن الذي بلا شك سيؤثر على السلوك . يقول السعدي في هذا الشأن ما نصه: " واعلم أن حياتك تبع لأفكارك، فإن كانت أفكاراً فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا فحياتك طيبة سعيدة، وإلا فالأمر بالعكس".(السعدي،ت1376) فالشخص المكتئب يرى ويصف نفسه بالقصور، والنقص، وينسب ما يمر به من خبرات غير سارة إلى عوامل شخصية فيه كالقصور النفسي أو العقلي، أو أنه قاصر اجتماعياً؛ ولهذا نجد أن من الأعراض الرئيسية التي تسود بين المكتئبين، ميلهم إلى وصف الذات بالتفاهة ، والنقص ، والعجز.

ج_تخفيف المصيبة وتقدير أسوأ الاحتمالات :
قال تعالى :  فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  (آل عمران:153). فإشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم (الغم الثاني) أعظم من فوات الغنائم أو الجراح للصحابة (الغم الأول)، فعندما علم الصحابة بأن النبي صلى الله عليه وسلم مازال حياً اطمأنوا وفرحوا فلم يحزنوا على ما فاتهم ولا على ما أصابهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:فيما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي) (1). فمن الأشياء التي تعالج الحزن تقدير أسوأ الاحتمالات، وأن ينظر الإنسان إلى من هو أسوأ حالاً منه، وأن يعلم الحجم الحقيقي للمصيبة (الخاطر:1412). فمن الأخطاء في التفكير التي تثير الاضطرابات النفسية والوجدانية التي نلحظها في حالات الاكتئاب المبالغة والتهويل في إدراك الأشياء وإضفاء دلالات مبالغ فيها كتصور الخطر والدمار فيها.

د- استخدام النموذج وضرب الأمثلة في التخفيف من الحزن:
ففي الحديث الذي رواه البخاري أن خباب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متوسداً بردة في ظل الكعبة، وقال له:ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ) (2).

إذن نستنتج مما سبق أن في القرآن والسنة الوقاية والعلاج لحالات الحزن والاكتئاب؛ وباستقرائنا لهذا الموضوع كما ورد في القرآن والسنة المطهرة نلاحظ أنه من الشمول والتنوع مما عجز عن تحقيقه العلاج النفسي الحديث، إلى جانب أنه احتوى على كثير من المناهج العلاجية النفسية الحديثة التي يستخدمها المعالجون النفسيون اليوم على المستوى السلوكي والمعرفي ويزيد بالجانب الإيماني.
د. أحمد بن محمد حسين عسيري

نشر بتاريخ 21-08-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 9.51/10 (42 صوت)


الـتـعـلـيـقـات

[خُلاصه هم] [ 29/09/2009 الساعة 3:28 صباحاً]
بارك الله فيكم على البحث القًيم والنافع

أسأل الله ان يفرج همي وهم المسلمين جميع وان لايحرمكم الاجر

نتظر اطروحاتكم القادمه ..

وفقكم الله

 




الساعة والتقويم

ابحث في قوقل
Google



الهيئة المشرفة ϖ تابع جديدنا ϖ الصور ϖ الصوتيات ϖ مكتبة الفديو ϖ مكتبة تربيتنا ϖ تربويات ϖ المنتديات ϖ الرئيسية
Powered byv2.0.0
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.tarbyatona.net - All rights reserved