مقالات الإدارة والثورات الأربع ... بقلم الأستاذة/ فاتن باشا
الإدارة والثورات الأربع ... بقلم الأستاذة/ فاتن باشا
الإدارة والثورات الأربع
عرفت الإدارة منذ ظهورها كعلم أربع ثوراتٍ ساهمت بشكل مباشر في إحداث تحول جذري ونقلة نوعية في نمط تفكير المدير والقائد الإداري على السواء ، وفي أسلوب عمله وسلوك منظمته، في محاولة لإحداث التغيير الملائم للتكيف والتأقلم مع هذه الأحداث وفي كل مرة تطرح مشاكل من نوع خاص، وهذه الثورات الأربع هي:
1-الثورة الصناعية: وهي الثورة التي كان لظهورها في أوربا خلال أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الميلادي أثر كبير في إحداث العديد من التغيرات الجذرية في الطرق والأساليب القديمة كتصنيع المنتجات ، وإدارة المنظمات ، ما أدى إلى ظهور المعامل والمصانع الكبيرة لتحل محل الورش الصغيرة القديمة ، فحلت المعدات والماكينات محل العمل اليدوي ، وقد واكب هذا التطور انتقال الاقتصاد من اقتصاد الورش إلى اقتصاد المنظمات . وقد تعقدت المنظمات الصناعية وتنوعت أنشطتها فزادت معها المشكلات؛ فكانت الإدارة مهملة بعض الشيء، إذ تم التركيز على التحسينات الحركية ، واقتناء الآلات في صورة رأس مال ثابت لمقابلة الزيادة الفائقة في الاستهلاك ، وبالتالي كان كل ما ينتج في هذه الفترة يباع حيث الطلب يفوق بكثير العرض فانصب عمل المدير وتركيزه في البحث عن آلية زيادة حجم الإنتاج ، ورفع مستويات الإنتاجية ، فكانت إسهامات العديد من الباحثين الذين عاشوا هذه الفترة تنصب حول البحث عن كيفية تحقيق مستويات أكبر من الإنتاجية فهذا ( آدم سميث ) يؤكد عام 1776 أن تحقيق مبادئ تحسين وتطوير الإنتاجية يتم من خلال تقسيم العمل والتخصص في أداء المهام وفي تطوير الأدوات والمعدات . واستمر الحال كذلك حتى ظهور حركة الإدارة العلمية ، ومع انتقال الثورة الصناعية إلى الولايات المتحد الأمريكية كان الاهتمام مختلفًا فبدلاً من التركيز على أهمية العمل كانت مقترحات H.TOWNE التي تدور حول أهمية إدارة عوامل الإنتاج ، فما عمل المدير "المنظم" إلا التوفيق والتوليف بين مختلف هذه العوامل، لهذا فإن زيادة مستويات الإنتاجية تتحقق من خلال عمل المدير ، ولعل تركيزه حول أهمية الإدارة تعتبر أمرا طبيعيا باعتباره أحد مديري الشركات الصناعية الكبيرة في ذلك الوقت . ثم جاءت أعمال المهندس TAYLOR ، وكذلك FAYOL ، وغيرهما من الباحثين النيوكلاسيكيين ، وقد امتدت تأثيرات الثورة الصناعية حتى بداية الستينات عرفت خلال هذه الثورة العديد من المدارس الفكرية.
ومع بداية الستينات بدأ العالم يشهد تطورات علمية مثيرة وانطلاقات تكنولوجية بحيث استطاع المفكرون أن يرصدوا ثلاث ثورات هامة تفوق في أهميتها وتأثيراتها - على المؤسسة وأسلوب العمل فيها - ما كان للثورة الصناعية من أثر ، وهذه الثورات الثلاث هي :
2-الثورة الالكترونية : وهي أول ثورة تكنولوجية ساهمت في إدخال الآلية في العمليات الإنتاجية وتطور أساليب العمل بدلا من المكننة ، أي إدخال الماكينات للإنتاج حيث اقتربت المنظمات من الآلية الكاملة في كثير من الحالات Automatisation ، فكانت النتيجة إيجاد قوة دفع هائلة تتمثل في إمكانيات وطاقات تكنولوجية تعمل على تطوير قدرات المنظمات الصناعية وتحويلها إلى طاقات إنتاجية أكبر فتحت آفاقا جديدة غير مسبوقة لتطوير الإنتاج والإنتاجية كما وكيفا.
فكان من نتائج هذه الثورة المعالجة الآلية للبيانات باستعمال الأجهزة والحاسبات الالكترونية ذات القدرات الهائلة، والتي كان لها أثر كبير في تحقيق الآلية الكاملة في المنظمة من خلال السيطرة، خاصة مع ظهور Sybernetique ، وهو علم التحكم والسيطرة ، الذي ساعد على إنتاج نماذج وطرق تعتمد على فكرة التحكم الذاتي .
و لقد تمكن المدير بفضل نتائج هذه الثورة التكنولوجية من تحقيق المزيد من النتائج ، والمزيد من التكامل والترابط بين الأنشطة والوظائف وبين مختلف المهام التي يؤديها، من خلال الاتجاه إلى إنشاء نظم متكاملة للبيانات لترشيد عمليات اتخاذ القرار والمزيد من التنسيق والتكامل بين مختلف المستويات التنظيمية و الإدارية ، حيث استطاع إعداد أفضل الخطط التي تأخذ التفاعل بين عدد اكبر من المتغيرات، التي يتم معالجتها آليا بعدما كانت تخضع للتقدير والأحكام الشخصية للمديرين أو أنها تبقى ثابتة وخارجة عن التحكم والسيطرة .
3- ثورة الإعلام والاتصال : تعتبر ثورة الإعلام والاتصال ثالث ثورة صناعية ولكنها ترتبط أكثر بصناعة المعلومات وتكنولوجياتها التي تشمل الانترنت ، تكنولوجيا الفضاء ، وأقمار الاتصالات، الهواتف المحمولة ، والحواسيب السريعة..الخ ، إذ تعاظم معها دور المعلوماتية وساهمت في اندماج وارتباط مختلف الأطراف في جميع أنحاء العالم في منظومة إعلامية معلوماتية واحدة تعتبر المحرك الرئيسي لجميع التحولات في السياسة ،الاقتصاد،الفكر ،الفن ،الثقافة.
إننا نعيش في عصر أصبحت فيه المعلومة متغيرا استراتيجيا تستوجب من المديرين والقادة ضرورة تسييرها ، فهي مثل عوامل الإنتاج الأخرى تأتي لخدمة أهداف المنظمة ، ولاتخاذ القرارات عن علم ، فالمعلومة باعتبارها موردا استراتيجيا تعني اكتشاف منتج جديد ، إمكانية الوصول للسوق قبل المنافسين، وسيلة لتطوير أساليب الإنتاج بسرعة، أنها مصدر قوة المنظمة وأساس وضع وتنفيذ ومتابعة خططها للبقاء في ظل محيط يتسم بالتحولات المستمرة والتقلبات المفاجئة ، لذلك فمن يكتسب معلومة ويستبق في استثمارها تزداد حظوظها أكثر في البقاء على الرغم من أن المنظمات أمام اقتصاد ووفرة المعلومات، ولكن القدرة على التكيف والبقاء يرتبط أكثر فأكثر بالقدرة على الحصول على المعلومة اللازمة ، وسبق استثمارها بسرعة ، والمرونة الكبيرة في التعامل مع الأحداث المفاجئة والأخطار الناشئة ، والفرص القليلة النادرة حيث التنافس يكون على اقتناص الفرص أكثر من التنافس على الأسواق.
4-ثورة المعرفة : بالتزامن مع الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصالات الهائلة أصبحت المعرفة سلعة ذات منفعة عامة ، تتوقف قيمتها على مدى استعمالها بفعالية في الوقت المناسب لا على مضمونها المجرد ، حيث انتقل معها المجتمع من مجتمع المعلومات إلى مجتمع معرفي يقوم على نشر المعرفة وإنتاجها وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات نشاطات المجتمع ، ومع هذه الحركية الاجتماعية انتقل الاقتصاد إلى ( اقتصاد معرفي ) أساسه تحويل الثروة المعرفية إلى رأس مال معرفي وتوظيفه بكفاءة لإنتاج معارف جديدة مما يقتضي بنية معرفية تحقق فيها المعرفة الجزء الأكبر من القيمة المضافة .
فقد تزايد خلال السنوات الأخيرة استخدام المؤسسات الاقتصادية للمعارف في العديد من الأعمال والنشاطات المتعلقة منها بتصميم المُنْتَج وتطوير النظم والتقنيات ، والتخطيط وتقييم الأداء مما أدى إلى تحسين في الأداء والقدرة على البقاء والاستعداد للتكييف عن طريق استخدام الطاقات الفكرية والقدرات الفنية للأفراد ، ولا يمكن الحكم على منظمة بأنها تميزت في استعمالها للمعارف الباطنة والظاهرة إلا إذا أدركت أن التسيير المعارف لا يمكن فقط في تسيير المعلومات وإنها في إدارة الموارد البشرية بالدرجة الأولى فالمعرفة عند مالكها في ذهنه وسلوكه وذكائه .
من هذا المنطلق أخذت المعارف بعدًا جديدًا في العملية الإدارية ، حيث لا يكفي أن يحتفظ بها بل لابد من تثمينها ، ورأسملتها عن طريق استثمار المنجم الثقافي للمنظمة، والبحث عن كيفية استخراج المعارف الباطنية وجعلها منتشرة والسلوك وضمان مزايا تنافسية طويلة المدى.
وهكذا يمكننا القول أن واقعا جديدا قد أخذ في التشكل والتبلور على صعيد إدارة المنظمات، تسوده حرية التجارة والمنافسة العالمية الشرسة ، التي انهارت فيها الحدود الزمنية والمكانية ، وأصبح التعامل يتم في نظام أكثر انفتاحا وتأثيرا. ويرتبط ذلك كله بتنامي قوة دافعة ومحركة وهي المعارف كركيزة أساسية تتجاوز بها المنظمات العقبات والانطلاق نحو أساليب إدارة حديثة قادرة على قيادة التحول نحو الاستمرارية والبقاء والنمو.
المراجع:
1. أحمد عرفة، سمية شلبي : إدارة العمليات والإنتاج بين أنظمة الحرب الحديثة "عصر العولمة"، مكتبة النهضة المصرية، مصر، 2005.
2. عبد الستار محمد العلي: إدارة الإنتاج والعمليات، دار وائل للطباعة والنشر، الأردن، 2006.
الأستاذة / فاتن باشا
تم إضافته يوم الجمعة 02/07/2010 م - الموافق 20-7-1431 هـ الساعة 1:38 صباحاً