للمشاركة
    ..  تربيتنا
الهيئة المشرفة تابع جديدنا الصور مكتبة الفديو مكتبة تربيتنا تربويات الرئيسية
الجمعة 10 سبتمبر 2010م
الـدرس الثانـي - من صفات المـؤمـن وأخلاقه  «^»  الدرس الأول - فطـرة الإنســان و التربية  «^»  4- مكة المكرمة وأهمية التربية في البيئات الصالحة  «^»  3- ثمرات الطاعات في البلد الأمين  «^»  4- ذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صاحبا المؤمن  «^»  3- ذكر الله مطلوب من كل مسلم  «^»  من كتاب لباب الآداب لابن منقذ (4) الحياء  «^»  من كتاب لباب الآداب لابن منقذ (3) فضل التواضع  «^»  قصّتي مع التعليــم  «^»  2- الإيمان في مكة جديد مكتبة تربيتنا
إشكالية تأسيس الأمن الفكري في بلدان المغرب العربي.. بقلم أ.د. نور الدين زمام  «^»  الترفُّع بالنساء العاملات عن الأعمال المهنية الوضيعة .. بقلم د. عدنان باحارث  «^»  مناهج ربانية .. بقلم الأستاذة/ مها المحمدي  «^»  باتجاه الهدف ... أ.عبد الرحمن البارقي  «^»  ماذا تفعل لو زارك ضيف متدين فى بيتك؟ بقلم الدكتور مصطفى محمود - رحمه الله.  «^»  كيف نعود للحياة بقلم/ أ. زبيلة فريد بن عبد القادر [ أبو مريم ]  «^»  المشكلات النفسية والاجتماعية للطفل الموهوب.....بقلم الاستاذة وسيلة بن عامر  «^»  الاستفادة من أوقات الفراغ في الذكر والتسبيح.. بقلم/أ. أحمد بن ناصر الرازحي   «^»  الهوية والقيم .. موت اللغة العربية نموذجاً 2-2 .. بقلم/ أ.ماجد بن جعفر الغامدي   «^»  التربية .... وسلق البيض .. بقلم الأستاذ/ أحمد الغرباني جديد تربويات
مكتبة تربيتنا
البحوث
تأصيل الهوية وثقافة الاعتدال في الأدب السعودي
 أ.د. ظافر بن عبدالله الشهري


تأصيل الهوية وثقافة الاعتدال في الأدب السعودي

أ.د. ظافر بن عبدالله الشهري
كلية الآداب – جامعة الملك فيصل

من مقتضيات المنهج الإشارة إلى مايرمي إليه هذا البحث الذي لايمكن أن يختزل في دقائق معدودة، ولهذا كان من اللائق إيضاح الجانب الذي سيركز عليه، ويتعلق بتأصيل الهوية وتأكيد ثقافة الاعتدال في المنجز الأدبي السعودي المتداول بين أيدينا وعلى أسماعنا الآن, وهنا قد لا يتعرض البحث لإيراد أمثلة من هذا الأدب , ولكنه سيركز على أهمية دوره في غرس المفاهيم والقيم بشكل نظري فقط .
نعلم جميعًا أن المملكة أرضًا وشعبًا كغيرها من بلاد العالم ابتليت بانحراف ثلة ممن كانوا ضحية –بعلم أو بغير علم- لأفكار شيطانية وطروحات متطرفة اتخذت من الدين ستارًا ، فأهلكوا الحرث والنسل، وأفسدوا في البلاد، وكانو بأفعالهم تلك قد تجردوا عن المواطنة الحقة وفقدوا هوية الانتماء لهذه البلاد وهذه الأمة.
هنا نتساءل عن دور الأدب السعودي في تأصيل هويتنا الثقافية التي تكشف عن أهمية الاعتدال في قضايا الفكر والسلوك، والاعتدال كما نعلم سلوك حضاري، وهو في الأساس من ثوابت الدين، فهل تجسدت عند الأدباء والأديبات في المملكة الدعوة إلى الالتزام بالمثل الأخلاقية؟ وفي مقدمتها الوسطية التي حث عليها ديننا في قول الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).(1)
وإذا كنا نسأل عن دور الأدب في تأصيل الهوية وثقافة الاعتدال؟ فلأنه في أبسط معانية ينصرف إلى التهذيب والخلق، وقد قال الرسول –صلى الله عليه وسلم- (أدبني ربي فأحسن تأديبي) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والأدب بمعناه الواسع يشمل كل المعارف الإنسانية التي ترقى بالإنسان أخلاقًا واجتماعًا وثقافة، ووجدانًا وفنًا ...، وماسوى هذا ففيه نظر(2)
ومن هذا المنطلق يتضح أن الأدب مرآة لكل ماهو جميل وحسن، ولايقبل أن يكون الأدب وعاءًا للقبيح أو سجالاً لما يتنافى مع ثقافة المجتمع وأخلاقه، أو أن يكون تكريسًا لمذاهب أو مناهج أو نظريات تتقاطع في محتواها مع ثوابتنا أو شخصيتنا أو مع إرثنا الأدبي قديمه وحديثه، مع التأكيد على أن الأدب مجال رحب للإبداع والانفتاح على الآخر والتأثر والتأثير.


الأدب السعودي – تحديد المصطلح زمانًا ومكانًا-
عندما نتحدث عن الأدب السعودي كمصطلح، فإنه من الضرورة تحديد هذا المسمى وفق تحرير المصطلحات الأدبية وتحديدها تحديدًا دقيقًا، خوفًا من الاستطراد والشطط اللذين يعتوران كثيراً من الدراسات الإنسانية، ولذا كان من اللازم تحديد مصطلح الأدب السعودي حتى تتضح الصورة ولو على سبيل التقريب.
إن المقصود بالأدب السعودي في نظر الباحث هو ذلك الأدب "شعرًا وسردًا" الذي ينتمي زمانًا ومكانًا إلى المملكة العربية السعودية بحدودها السياسية المعروفة، وهو يبدأ من فترة التأسيس سنة 1319هـ بدخول الملك عبدالعزيز –رحمه الله- إلى الرياض واستعادتها، وليس من فترة التوحيد سنة 1351هـ، ولذلك فالأدب السعودي بهذا المفهوم أدب حديث بالضرورة، وهو متصل بالجذور الأولى لثقافتنا العربية، كما أنه متأثر بمدارس التجديد التي طالت الأدب العربي الحديث، وهو في الوقت ذاته أدب يمثل الإنسان السعودي مبدعًا وناقدًا ومتلقيا.(3)
والأدب السعودي كغيره من الآداب العربية فيه الثمين وفيه الغث، فيه الجيد وفيه الردئ، وهذا هو الأمر الطبيعي حتى عند الأديب الواحد، وقد خطا هذا الأدب خطوات واسعة بشقيه المنظوم والمنثور نحو التطور على مدى أكثر من مئة عام، وبخاصة في العقود الخمسة الأخيرة؛ إذا تجاوزنا مرحلة الريادة والبدايات، وقد رافق تطور الأدب السعودي تطور البلاد في شتى مجالات الحياة، وهذا يعني أن هذا الأدب يستحق الوقوف عنده ودراسته ونقده، وفق رؤى نقدية تأخذ في الاعتبار جودة النص لامكانة الشخص من الناقد حتى لايتحول النقد إلى نقد شخصي وليس نقداً فنيًا، فلا يقدم خدمة للنص ولا للشخص.
لقد نهض عدد من الدارسين داخل المملكة وخارجها بدراسة الأدب السعودي، ووقفوا عند كثير من قضاياه ومضامينه، وليس من هدف هذا البحث الوقوف عند تلك الدراسات، كما أنه ليس من شأنه دراسة قضية فنية بمفردها تتعلق بهذا الأدب ، وإنما الغاية هنا استكناه دور أدبائنا وأديباتنا صناع هذا الأدب في المملكة وما قدموه في تأصيل الهوية لإنسان هذا الوطن وترسيخ ثقافة الاعتدال، وبخاصة بعد الأزمة الفكرية الخطيرة التي مررنا بها كغيرنا من بلاد العالم، وهي ظاهرة التطرف والغلو في الدين وماترتب عليها من انحراف مجموعة من أصحاب الأفكار المعكوسة الذين انساقوا وراء تلك المبادئ التي لايقرها عرف ولاعقل ولادين في أي زمان ومكان.
إن السؤال الذي قد يدور حوله البحث هنا يتلخص في مدى استطاعة الأدب في المملكة أن ينهض عبر رحلته الزمانية إلى يومنا هذا بتعميق ثقافة الاعتدال والوسطية وتأصيل الهوية الثقافية والفكرية المتزنة في المجتمع السعودي؟ وهل أدرك الأدباء السعوديون أن دورهم لاينحصر في قصيدة تثير العواطف والغرائز أو تصاغ في قالب مدحي باهت، ولافي قصة أو رواية تكشف مايجب ستره، وتجعل من قيم المجتمع مادة للتسلية، وتجزية الوقت؟ ولاترجمة لعمل عالمي هابط لاقيمة له.
الأدب بمفهومه السابق رسالة ترقى بالفكر وتوجه الغرائز، وتحافظ على قيم المجتمع وثوابت الأمة ، وليس ثرثرة ولاهو قضايا مؤدلجة تهدم أكثر مما تبنى، وتسيء للمجتمع السعودي أكثر مما تعِّرف به خارج الحدود، وهنا نقول: أين تأصيل هوية المجتمع والأمة في منجزنا الأدبي الذي نفاخر به اليوم الآداب الأخرى؟ قبل الإجابة على هذا التساؤل أجد من اللائق تحديد مفهوم الهوية لأن هذا المفهوم له مضامين فلسفية تتعدد فيها الرؤى وتختلف حولها القناعات، كما أنه من اللائق أيضًا الإشارة ولو بشيء من الإيجاز إلى خصيصة الاعتدال وأهمية ذلك في الأمور كلها.
الهوية تعريفًا ومفهومًا
إن تعريف، وتحديد مفهوم الهوية على قدر كبير من الأهمية لما ثار حوله من الجدل عند المثقفين، لأن هذا المفهوم رغم كثرة تداوله , فأنه شديد الالتباس والغموض، وبخاصة أنه يستخدم بطريقة أو بأخرى عند كل فئات المجتمع لكونه تعبيرًا عن روح الشعب، وبالتالي، فهو شعور لايحتاج إلى شرح كثير بسبب المضمون المباشر للهوية.
لقد لازم مفهوم الهوية مضمون فلسفي وديني يؤكد على المقدس والدائم والمتسق. أي غير المتناقض في معنى الهوية، ولو لجأنا إلى المعنى المعجمي الحديث، فسنجد أن الهوية تعني الذات، وهو مايفسر ذات الشيء وحقيقته، وخاصيته، كما أنها تعني الشيء في ذاته دون اللجوء إلى عناصر خارجية لتعريفه، وتستعمل أيضا للدلالة على الجوهر، وهو مالايندرج في الحدوث ولاتدخل فيه التغيرات الزمنية العرضية.(4)
ولعل أول مايتبادر إلى الذهن حول الهوية أنها؛ شيء محسوس يمكن وضع اليد عليه، وصياغته ضمن تعاريف وقوالب فكرية محددة، وأن هناك شيئًا محددًا تحديدًا دقيقًا يمكن أن نسميه الهوية لمجتمع معين، ويعرف أحد الباحثين الهوية على أنها؛ منظومة متكاملة من المعطيات المادية والنفسية والمعنوية والاجتماعية. وهنا يمكن القول: إن الهوية تعني وحدة المشاعر الداخلية التي تتمثل في وحدة العناصر المادية التي تجعل الإنسان يتمايز عمن سواه، ويشعر بشخصيته الذاتية فردًا وجماعة في المجتمع الواحد. (5)
إن تأصيل الهوية والتشبث بها وبمفهومها الواحد وخصوصيتها، إنما هي سمة مميزة للمجتمعات الإنسانية على مر العصور، لأنها تحافظ على بنية المجتمع ثقافة ووعيا إنسانيًا.
ولعلنا هنا نجول في مفهوم الهوية الثقافي، لأن الثقافة انعكاس لوعي المجتمع وعقليته، وإذا كانت الثقافة متوافقة مع الواقع ومرتبطة بالثوابت، فإن هذا يعني أهمية صياغتها باعتبارها هوية الأمة والمحافظة عليها والدعوة إلى تبني قيمها ومثلها يعزز الانتماء والارتباط بالجذور من جوانب الانضباط، وليس من جوانب الانفلات، ولامن جوانب عدم التفريق بين الخير والشر، ولا الحسن والقبيح.
في الهوية الجماعية يذوب ال"أنا" ويبقى صوت الجمعاة مثاليا يتشكل به ومنه الحضور الفاعل للقيم الخيرة، وتتوارى عنه الأفكار المنحرفة، ولايبقى مكان إلا لما هو إنساني يعرف قدر الحياة، وما لأجله خلق الإنسان. إن الهوية الثقافية تعني كل أنماط السلوك، والنتاج المادي والمعنوي للمجتمع، وهي جزء طبيعي من النشاط البشري السوي عند الرجل والمرأة دون تمايز، ومن هنا, فإن الأدب بجميع فنونه جزء من هذه الهوية، وعلى صانعيه أن يؤصلوا هذه الهوية بما يحقق الذات وبما يحافظ على وحدة الأمة، ويعزز هذه الوحدة في نفوس النشء لتتأكد عندئذ ثقافة الاعتدال والوسطية التي يشكل غيابهما أزمات فكرية يصعب بعد ذلك علاجها.
إن الاعتدال مطلب حيوي للإنسانية دون استثناء، ولكنه في ثقافتنا آكد، لأن الله اختار لنا الوسطية ، والاعتدال في حقيقته هو توسط حال بين حالين، وهو بذلك يشكل اتزانًا واستقامة على طريق الخير دائمًا. (6) كما أنه مطلب الإنسانية بلا استثناء .


إسهام الأدب السعودي في تأصيل الهوية وثقافة الاعتدال
يمكن لأي باحث في هذا الشأن أن يتساءل عن مدى إسهام الأدباء والأديبات السعوديين منذ البدايات حتى مرحلة التشكل الفني في المحافظة على ثقافة الاعتدال والدعوة إليها وتأكيد الهوية وتأصيلها في هذا الأدب بدلاً من الانتصار لتيارات ومناهج قد لاتهم المجتمع السعودي في شيء، ولاتتعدى فائدتها أقلام كتابها –إن كانت لها فائدة- ومثل هذا التساؤل يقودنا إلى استجلاء هذا الدور عند الأدباء ولايمكن في هذا الجانب أن نغفل دور النقد في صياغة حقائق هذا الأدب وجمالياته، والكشف عن مواطن الضعف والقصور في منجزنا الأدبي الحالي.
إن الإنتاج الأدبي السعودي شعرًا كان أو سردًا لم يعد حصرًا على محيطنا المحلي، بل جاوز حدود الوطن، وأصبح شريكًا فاعلاً في تشكل الثقافة العربية الحديثة، وربما جاوز ذلك إلى العالمية، وأخذ المثقف خارج حدود المملكة يحكم على قيم المجتمع السعودي مما يلتقطه من هذا الأدب، ومما تحكيه نصوصه من تحولات في نمط الحياة، أوفيما تعالجه من خلال الظواهر الاجتماعية التي ربما كان تناولها أوبعضها من قبل المبدع السعودي مبالغًا فيه أو أنه لايحكي الواقع كما هو.
إن مشهد التحول الاجتماعي الذي تزامن مع نهضة المملكة في مجالات التعليم والعمران والاقتصاد كان له أثره في تأصيل كثير من القيم سواء مايتصل منها بالهوية الثقافية أو الاجتماعية، أو مايتصل ببعض الأعراف والعادات والتقاليد، ولو عدنا إلى الوراء قليلاً إلى فترة التأسيس وماتلاها مباشرة، فإنه سيتضح لنا أن مفهوم المواطنة ومفهوم الأمة قد تبلور في أذهان الأدباء والكتاب وكان الأدب بشقيه المنظوم والمنثور هو الشكل التعبيري المفتوح لأفراد المجتمع، وبخاصة فن الرواية التي استحضرت في بداياتها كثيرًا من قيم ومثل المجتمع السعودي، وعالجتها بموضوعية ومسئولية فنية(7)
ولهذا كان الأدب ولايزال يدفع بالأمور في البلاد إلى الأمام، وإن اختلفت أفكار وتصورات الأدباء، ولايشك أحد في أن فترة الريادة والبدايات كان الأدب فيها يعبر عن وعي الجماعة ويسهم في تكريس المجموع، وإن كان يأخذ كثير من النقاد على الأدب في هذه الفترة طغيان أسلوب الوعظ وتحول هذا الأدب إلى سير ذاتية في كثير منه، لكن جانب القبول فيه كان عاليًا جدًا.
وقد أخذ الأدباء في هذه الفترة على كاهلهم معالجة كثير من القضايا التي تؤكد هوية الأمة وتحث على التمسك بالقيم الخيرة، فمثلاً لوعدنا إلى المنجز الروائي حينئذ وبالتحديد في الفترة من 1349-1399هـ الموافق 1930-1980م سنجد الروائيين عالجوا قضايا ذات صلة بحياة الناس وبهويتهم وقيمهم كتغليب الواجب على العاطفة، والغربة والانفتاح على الآخر سواء كان هذا الآخر عربيًا أو أجنبيًا ، كما وقف الروائيون عند طبيعة التقاليد والحياة العربية والإسلامية، وحثوا على التعليم وبخاصة تعليم المرأة ودورها في مستقبل الأجيال وتربيتهم، وحاجة الوطن إلى سواعد الشباب السعودي، وقد كان للرواية في هذه الفترة عناية كبيرة بالوصف الجغرافي والتاريخي والاجتماعي، كوصف المكان والعادات والتقاليد، وأعراف الزواج، وحالة التجارة والنهضة العلمية، وكل هذه المعالجات كانت تحث على تأصيل الهوية للأمة وتأكد على ثقافة الانفتاح المعتدل في الفكر والثقافة والحياة. كما عالجت الرواية في هذه الفترة العنف ورفضته، كما رفضت أي شكل من أشكال التغيير الذي يتقاطع مع ثوابت المجتمع، وهنا يجب أن نقدر للرواد من أدبائنا وأديباتنا التفاتهم إلى هذه القيم وتأصيلها في نفوس أبناء المجتمع السعودي.(8)
ونتساءل هنا هل هذه القيم وجدت طريقها إلى إبداع أدبائنا بعد هذه الحقبة؟ وهل التفت الأدباء في فترة النضج الفني بعد البدايات إلى حال المجتمع فكرسوا جهودهم وإبداعهم لتأصيل هذه القيم والحث عليها
لاينكر أي باحث في الأدب السعودي أن هذا الأدب قد واكب التغيرات التي طرأت على ثقافة المجتمع، وأن حضوره الكبير على الصعيد المعرفي كان له دور إيجابي في تأكيد كثير من القيم وتأصيلها في وعي المهتمين وقد استفاد أدباؤنا من وسائل التقنية الحديثة، ووظفوا هذه التقنية فيما يخدم إبداعاتهم الأدبية.(9)
إن دور الأدب يبقى ناقصًا إذا لم يستشعر مبدعوه تاريخ الوطن، وأمجاده ويتدبروا مفاصله التاريخية ويوظفوها فنًا راقيًا، يعكس للمتلقي في الداخل والخارج قيمة الأدب، وأهميته في بناء الفكر وتعديل السلوك، فلم تعد مسئولية الأدب في تأكيد القيم وتأصيلها، وبناء ثقافة يميزها الاعتدال موجهة لفئة دون أخرى من فئات المجتمع وشرائحه، وإنما يجب توسيع الدائرة لتصل رسالة الأدب إلى شرائح المجتمع دون استثناء، مسئولية الأدباء السعوديين من الجنسين يجب أن تتعدى الصعيد الداخلي لتحقيق صورة هذه البلاد وشعبها على الصعيد الخارجي، وبخاصة بعد أن تعرض الإنسان السعودي في هذا العصر لأحكام مغلوطة خطيرة لم يشهدها من قبل، ولأن المملكة هي قلب العالم الإسلامي، فإنه يتأكد على أدبائنا أن يعكسوا الصورة المثلى لثقافة وتراث هذه الأرض المباركة، وأن يعمقوا حقيقة الأدب في جانبه الجميل الذي يرقى بالفن والذوق معًا ، ولايرتمي في سفاسف الأمور ومدارج الرذيلة، أو يلتقط ظاهرة شاذة محصورة المكان والزمان، ويصدرها ويروج لها على أنها تمثل هذا الأدب ومبدعيه أو يعبث بأصالة اللغة العربية وقيمها باسم التجديد والتأثر والتأثير، ومسايرة الآداب العالمية.
يتأكد على أدبائنا ومبدعينا أن يشيعوا ثقافة الاعتدال والتسامح لدى المهتمين بقراءة هذا الأدب، والأدباء بمقدورهم أن يوظفوا إبداعاتهم الشعرية والنثرية والتشكيلية بما يكفل تأصيل هوية المجتمع السعودي، والأدباء هم الأقدر على مسايرة الإبداع الإنساني من جانبه الجميل والأجمل، وليس الارتكاس في أوحال التبعية التي تلغي الآخر، ولاتجعل لأدبنا السعودي مكانًا يليق بهذه الأرض وأهلها، وتؤكد أن أدباءنا هم الأقدر على صياغة أدب حرٍّ لايقوم على التقليد الجاف، ولايذوب في غيره من الآداب العالمية التي لاتتفق وهويتنا وثوابتنا.
أخلاقيات حرفة الأدب تحتم على مبدعيه أن يبرزوا الوجه الأدبي الذي يهذب النفوس، ويروي ظمأ المتعطشين للكلمة الجميلة، والقصيدة المؤثرة، الأدب الذي يسبح بالنفس في فضاء الجمال في هذا الكون الواسع، ولايثير شهوة أو يجمح بغريزة، أو يكشف سرًا أو يروج لقبيح أو يهتك سترًا أو يخدش عرضًا.
إن الأدب قائم على معطيات فنية تحكيها اللغة بما تشكله من الرمز والأسطورة والغموض والوضوح والإيحاء والمبالغة، ولايمكن أن نخضع الأدب لمنحى واحد من طرق الإبداع ومناهج الأدب ومذاهبه، ولا أن نطالب الأديب شاعراً كان أو ناثراً أو رسّاماً بمنهج أو مذهب لا يحيد عنه لكننا نطالبه باحترام قيم المجتمع ومشاعر الإنسان، وقبل هذا وبعده نطالبه بالتزام حدود الدين، وليقل بعد ذلك مايحلو له، من الشعر أو السرد، أو مايتعلق بالإبداع الأدبي من أي وجه كان. (10)
الأدب بحدوده الفنية، ومايعالجه من قضايا على مستوى الفن مطلوب منه أن يتحقق فيه التفاعل والتواصل بين ماضينا الأدبي وحاضرنا الذي يشهد نقلة نوعية في شتى مجالات الحياة، وبخاصة في هذا الوقت الذي أصبحت فيه الرؤى الثقافية بمختلف أطيافها وفنونها ذات فاعلية ملموسة في تحقيق التماسك الثقافي على الصعيد الداخلي، ووسيلة للتفاعل الثقافي والفكري على الصعيد الخارجي.
مطلوب من أدبائنا في المملكة أن لايجعلوا من ثقافة الآخر منطلقًا لإبداعاتهم في حركة تأثرية تذوب فيها الهوية الوطنية أو الهوية العربية الإسلامية، وتتلاشى عبقرية أدبائنا في مسالك التقليد والانبهار، ومسارب التجريب الأعمى الذي ينأى بالمعنى، ويبعده عن المقاصد الجميلة والملاحظ الأدبية البعيدة التي تعكس حقيقة أدبنا وأصالته.
إن لدى أدبائنا في المملكة إرثاً زاخراً بالإبداع والتفوق متى استوعبوا لغتهم، وغاصوا في دررها، وتمكنوا من فنونها وعلومها بما يؤهلهم بأن يكونوا متبوعين لاتابعين، ومبدعين لامبتدعين.
إن تأصيل الهوية في الأدب السعودي تتطلب من الأدباء أن يتجافوا عن الأقلمة، وأن يصنعوا هوية الوطن بمفهومه العام الواسع ليكون سائدًا فوق كل اعتبار، وليس معنى تأصيل الهوية في الأدب تصنيفه في إطار واحد لأن الأدب إبداع فكري إنساني، فإذا صنف ضمن موضوع ضيق أو حدد تحديدًا مقيدًا، فقد حجمناه وقتلنا موهبة الإبداع عند الأدباء بشكل عام.
الأدب وفق التصور الفني مضامين وأفكار وصور، وليس شكلاً خارجيًا تحده مقاييس نقاد اللغة، ورحلة الأدباء في إبداعاتهم جديرة بالقبول عند المتلقي إذا كانت هذه الرحلة تهدف إلى السمو بالذوق المعرفي وتصور آفاق الحياة الرحبة بما يتوافق وجمال الفطرة وتهذيب السلوك.
إن الأدب في المملكة وإن كان عصره قد لايزيد على مائة عام، فإنه قد خطا خطوات وثّابة في مجال الشعر والنثر، وقد صاحب هذه الخطوات المباركة مراجعات نقدية لهذا المنجز الأدبي تكاد هذه المراجعات تجمع على أن الأدب ليس أداة للتسلية أو مجالاً للهو وتمضية الوقت، بل هو فن من أسمى الفنون وأعلاها، وهو فن حي ينهض بالأمة وينعشها، ولايشك أحد في أن الأدب الحي المخلص له أثره القوي في ترقية النفوس اجتماعيًا وثقافيًا وفنيًا، وهو في أسمى أوصافه وأصدق ألوانه محرك يبعث روح الإصلاح في المجتمع ويوقظ الأمة نحو الشعور بالكرامة، ويحفزها إلى المضي قدمًا في طريق الرقي، وهو الذي يوحي بأسمى الخيالات إلى الأذهان، ويثير الحماسة إلى اعتناق المثل العليا، ويحمي النفوس من أن تظل راسية في مستنقعات الانحطاط والارتكاس في أوحال الذوق الهابط والخيال المعكوس والإبداع المريض.(11)
إن الأدب رسالة يؤديها المبدع شاعرًا كان أو ناثرًا، فإذا لم يطالعنا الشعر بصور الجمال على هذه البسيطة من بحار وأنهار ورياض وأرض وسماء وشمس وقمر ونجوم وماسواها، وينقلنا إلى التغني بجمال هذه المشاهد بلمسته الفنية في جو حافل بالأماني والأمنيات، فإن الشعر حينئذ لم يؤد رسالته كما يجب، وإذا لم يعالج السرد قضايانا الاجتماعية والفكرية ويغوص في أحوالنا بقصد الإصلاح والتوجيه والتهذيب، فلا حاجة لنا فيه.
إن على الأديب أن يعيش في مجتمع الناس، يشعر بما يشعرون به، فيعبر عن طموحاتهم وأهدافهم وتطلعاتهم وأمانيهم، ويرتفع بهم إلى آفاق الحياة وذروة المجد، الأدب ليس للتغني بالأمجاد والبطولات فقط، ولكنه دعوة إلى المثل العليا، وعندما يصور الأديب جمال البحر والروض والشمس والقمر والنجوم والإنسان، أو عندما يكتب قصة حافلة في مضمونها بمعطيات الفن الراقي، فإنه يدفع بالمتلقي إلى تذوق الأشياء والإحساس بما حوله في هذا الوجود من مخلوقات الله جل وعلا.
رسالة الأدب توجيه وإلهام ورفعة وإعلاء وبيان للناس، وقوة تدفع بهم من الحضيض إلى العلا، ومن التدهور والانحطاط الفكري إلى القمة، وأوج الكمال والنظام والتعاون، والصفاء والمودة والإخاء .
إن رسالة الأدب بكل المقاييس تهذيب ومعالجة لنقائص المجتمع وتوافهه، وتوجيه العقول إلى الأمثل والأصلح، هي إنارة السبل والدعوة إلى تفهم الحياة فهما راقيا من أجل الحياة.(12)
لايمكن أن نطلب من الأدباء شعراء كانوا أو ساردين أن يتحولوا إلى وعاظ، فإن هناك حدودًا فاصلة بين الدين والأدب، وهما عالمان منفصلان، ولكننا نطالب أدباءنا بأن يلتزموا بحدود اللياقة الفنية والخلقية في نتاجهم الأدبي،وأن لاينبتوا عن أصالتهم وقيمهم، ولايغردوا وحدهم تحت ذريعة الحرية والعالمية، نطالب أدباءنا بأن يحافظوا على هويتهم ويؤصلوا هذه الهوية، ويؤكدوا على الاعتدال في كل شيء، والأدب من أهم الأجناس التي تتطلب اعتدالاً في النهج والبنية.
ولايستطيع أي أديب أن ينهض بفنه إلاّ من خلال مجتمعه ومحيطه المكاني، ولايمكن له أن يسوق إبداعه إلاّ من خلال لغة قومه أولاً، ولغتنا العربية حافلة بالعطاء والمضامين الفنية والفكرية التي يمكنها أن تستوعب كل إبداع إنساني راق.
بقي أن نقول في عجالة إن المنجز الأدبي السعودي هو بكل المقاييس يشكل مجالاً خصبًا للنقد واكتشاف الجوانب المشرقة فيه وهي كثيرة، ومعالجة أوجه القصور متى وجدت، فالنقد قيمة وحكم، ويجب في نقادنا أن يتجافوا عن الشخصنة، وأن تنصب جهودهم على الإبداع ودراسة هذا الإبداع، فالنقد مفهوم له قيمته ومصداقيته، وله كذلك صلته بالجمال والفن، وهنا تتأكد أخلاقيات الناقد وتتحدد مسئوليته(13)
لاشك أن النقد عندنا قد ساهم بشكل أو بآخر في تسويق بعض الأعمال الأدبية الهابطة، نتيجة مجاملات أساءت للأدب السعودي، وسوقت وروجت لأعمال هابطة أصبحت مع الأسف نموذجًا لهذا الأدب عند الآخرين. وباختصار شديد نقول : إن النقد مسئولية وشرف وأمانة لا يمكن أن نرقى بأدبنا في المملكة ما لم يستشعر نقادنا هذه المسؤولية لكي نرقى بأدبنا السعودي ويكون لنا المكان اللائق بإذن الله.


الهوامش والتعليقات
1- سورة البقرة آية 143
2- يراجع في هذا الصدد، وفيما يتعلق بتعريف الأدب
• معجم مصطلحات العربية في اللغة والأدب، مجدي وهبة وكمال المهندس، ط(3) 1984م، مكتبة لبنان، ص 13 وما بعدها
• من تاريخ الأدب العربي، العصر الجاهلي والعصر الإسلامي، للدكتور طه حسين ط(4) 1981م، دار العلم للملايين، بيروت لبنان 1/24-23
• تحليل الخطاب الأدبي، محمد عزام، طبعة اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2003م ص227
3- المدرستان الإحيائية والتجديدية في الشعر السعودي – أعلام – موضوعات – خصائص- د. ظافر الشهري، ط (1) دمشق 1419هـ، 1998م، ص المقدمة
4- مستقبل العربية، وهويتنا الثقافية في ظل العولمة، د. ظافر الشهري، كتاب العلوم في المجتمعات الإسلامية، مقاربات تاريخية وآفاق مستقبلية، إصدار مؤسسة الملك عبدالعزيز للدراسات الإسلامية –الدار البيضاء- 2004م، ص95-116
5- الهوية الثقافية بين الخصوصية والتبعية –مقاربة معرفية- دراسة للدكتورة أميره كشغري، مخطوطة، ص3-5
6- ابن منظور، لسان العرب، طبعة دار المعارف بمصر، 4/2840 (عَدَلَ)
7- سجال الخطابات، فراءات مختارة في الأدب السعودي، د.سحمي الهاجري، ط(1) نادي الأحساء الأدبي 1430هـ ص153
8- البناء الفني في الرواية السعودية، د.حسن مجاب الحازمي، ط (1) 1427هـ/ 2006م، مطابع الحميضي، الرياض ص13-32
9- إصلاحات في لغة الكتابة والأدب، عبدالقدوس الأنصاري ط(1) 1427هـ ص19 ومابعدها ويراجع كذلك في هذا السياق، نقد النقد ونظرية النقد العربي المعاصر، محمد الدغمومي، منشورات كلية الآداب، جامعة محمد الخامس الرباط 1999م ص157
10- قضايا النقد الأدبي بن النظرية والتطبيق، د. طه عبدالرحيم عبدالبر، مطبعة دار التأليف، القاهرة، ط (1) 1983م ص164
11- أوائل الأعداد من الصحب السعودية، إصدار لجنة سلسة الريادة بالمجلة العربية ط(11) 1430هـ الرياض ص68-69
12- السابق ص70
13- يراجع نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر، محمد الدغمومي ص167-169

نشر بتاريخ 31-12-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 9.01/10 (47 صوت)


 




الساعة والتقويم

ابحث في قوقل
Google



الهيئة المشرفة ϖ تابع جديدنا ϖ الصور ϖ الصوتيات ϖ مكتبة الفديو ϖ مكتبة تربيتنا ϖ تربويات ϖ المنتديات ϖ الرئيسية
Powered byv2.0.0
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.tarbyatona.net - All rights reserved