الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد :
فللتربية الإيمانية أثر في تقوية صلة المتربي بخالقه وجعله دائم المراقبة له ، ولها أثر في مراقبة سلوكه وتصرفاته، وتحقيق الطمأنينة والسكينة في نفسه في الدنيا ، ونيل الفلاح الأبدي في الآخرة . ويُقصد بها تقوية الإيمان في القلب وتحقيق التقوى، وتعليق القلب بخالقه،وزيادة الحسنات وتكفير السيئات .
وتتحقق هذه التربية بالتصديق والإقرار ، وبالانقياد والمتابعة ، وذلك لأن أصل الإيمان تصديق بما أخبر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والانقياد لهذا الخبر واتباع ما يتعلق به من أوامر ونواهي ، وعدم الانحياز عنه أو الانفكاك منه لأي سبب من الأسباب .
كما تتحقق التربية الإيمانية بالاستزادة من الأعمال الصالحة وارتياد مواطنها ، والبعد عن السيئات والنفور من بيئاتها وتركها بالكلية ، وقد اتفق السلف أن الإيمان يزيد وينقص ، يزيد بالطاعات والأعمال الصالحة سواءً كانت فرائض أو نوافل أو مستحبات وينقص بالمعاصي والذنوب والكبائر. ولذلك تجد المؤمن الحريص على تربية نفسه يُكثر من أداء العبادات وتنويع الطاعات ، وفي نفس الوقت لا يجرؤ على رد أوامر الله ، أو فعل ما حرم الله ، ويبادر إلى التوبة والإقلاع والندم حين يقترف شيئاً من المحرمات ، وتجد المربي الحريص على تربية طلابه أو أولاده يحثهم على ذلك ، ويتعاهدهم دائماً ، ويؤسس ذلك في قلوبهم . في مكة تزداد فرص التربية الإيمانية للنفس البشرية، مما يزيده قرباً من خالقه ومولاه سبحانه وتعالى.
وعلى المتربي أن يكون رقيباً على إيمانه ومتعاهداً له على الدوام ، مستفيداً من قاعدة زيادة الإيمان بالطاعات ونقصانه بالمعاصي، ويوجهها لما ينفعه ويكون زاداً له في دنياه وأخراه ، ويعينه على اجتياز الصراط يوم القيامة . و مما يحفز المتربين على ذلك ، أن يبين المربي أثر قوة الإيمان في الأعمال، يقول الإمام النووي رحمه الله : "وعلى حسب نور الإيمان في قلب العبد ، تخرج أعماله وأقواله، ولها نور وبرهان، حتى إن من المؤمنين من يكون نور أعماله إذا صعدت إلى الله تبارك وتعالى كنور الشمس، وهكذا نور روحه إذا قدم على الله عز وجل، وهكذا يكون نوره الساعي بين يديه على الصراط ، وهكذا يكون نور وجهه يوم القيامة ، والله المستعان وعليه التكلان" .
ويظهر جلياً في هذه الرحلة دور المربي القدوة . والمربي قد يكون والداً ، وقد يكون أستاذاً ، وقد يكون شيخاً في حلقةٍ قرآنية ، أو درس علمي . وأياً كان موقع المربي من العملية التربوية ، فإنه يجب أن يتصف بصفات القدوة ، وذلك لما له من أثر كبير في تشكيل شخصية المتربي ،وبناء حياته المستقبلية . يقول عبدالرحمن بابطين : "وطبيعة الطفل هي محاولة تقليد الذين يحبهم ويحترمهم ، ويتقمص شخصيتهم مثل الوالدين والمعلمين ... والمطلوب من الوالدين والمعلمين أن يكون محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم المربي الأول هو قدوتهم في كل أقوالهم وأفعالهم " .
وللتربية الإيمانية أهداف واضحة ذكرها المولى سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ، ونشير فيما يلي إلى جانبٍ مختصرٍ جداً عن أهدافها في القرآن الكريم والسنة المطهرة .
أولاً – التعريف بأهداف التربية الإيمانية في القرآن الكريم والسنة المطهرة :
إذا اتصف المتربون بالإيمان الصادق وتمسكوا بمواصفات المؤمنين المذكورة في الكتاب والسنة ، حققوا مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ونالوا وصف العبودية التي خلقوا من أجلها . و لذلك يحرص المربون على غرس التربية الإيمانية في نفوس المتربين للحصول على الأهداف الدنيوية والأخروية ، وهي كما يلي :
أ – الأهداف الدنيوية
- الهداية لأحسن الأمور وأفضل المسالك : قال تعالى : { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(آل عمران: من الآية101). وقال سبحانه : {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الحج:54) . - ولاية الله وعباد الله الصالحين ،قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}(آل عمران:68) .وقال تعالى : { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}(التحريم: من الآية4). وقال تعالى : {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} (محمد:11) . - الرزق الطيب المبارك : قال تعالى :{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}(الأعراف: من الآية96).
وعن أنس رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم : (إن الكافر إذا عمل حسنة أُطعم بها طُعمةً في الدنيا ، وأما المؤمن فيُدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته " .
- الحياة السعيدة : قال تعالى : {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: من الآية97).
- الدفاع عن المؤمنين وعدم تسليط الكافرين عليهم ،قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا } (الحج: من الآية38). وقال أيضاً:{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}(النساء: من الآية141).
-تحصيل معية الله، ومن كان الله معه فهو في عز ورفعة: قال تعالى :{وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال: من الآية19).
- استجابة الدعاء والنجاة من الكرب ، والمؤمن إذا عرف الله في الرخاء نجاه وقت الشدة ،قال تعالى : {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}(الأنبياء:88) .
- تماسك المجتمع المسلم وتقوية بنيانه ، يقول صلى الله عليه وسلم : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .
- حفظ الجوارح من الوقوع في الشهوات المحرمة ، وتوجيه الغرائز وتدعيم الجوانب الأخلاقية ، يقول صلى الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني حين يزنى وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن،ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن) " .
- النصر على الأعداء ، قال تعالى : {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}(الروم: من الآية47) . وقال أيضاً : {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}(الصف:13).
-الأمن والطمأنينية : قال تعالى : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ } (الفتح: من الآية4).
- الاستخلاف في الأرض والتمكين : قال تعالى : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النور:55) . - العزة والسؤدد : قال تعالى : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }(المنافقون: من الآية8).
ب – الأهداف الأخروية
- تجاوز الصراط المنصوب على جنبتي جهنم ، قال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} وقال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (يونس:9) . - تكفير الذنوب والخطايا : قال تعالى :{لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} (الفتح:5) .
- المكانة الرفيعة والأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى ، يقول المولى عز وجل : {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر:54-55) . ويقول :{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}(آل عمران:171) . - النور يوم القيامة : قال تعالى :{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(الحديد:12) .وقوله أيضاً:{يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(التحريم: من الآية8) .
- مرضاة الله سبحانه وتعالى : قال تعالى : {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(التوبة:72) . - الخلود في جنات النعيم : قال تعالى :{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (آل عمران:136) .وقوله تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} (لقمان:8) .وقوله تعالى : {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً}(الطلاق: من الآية11) .