إن مما يساعد على نجاح العملية التربوية اختيارها المناسب للوسط الذي تتم فيه . وتعتبر البيئة الصالحة ذات الخبرات والمواقف المتعددة من الوسائط التربوية الفعالة لتحقيق النجاح التربوي .
ومن خلال هذه البيئة يتم نقل التراث من الأجيال السابقة والحالية إلى الأجيال اللاحقة ، يقول سعيد التل :" تسهم الأوساط المختلفة للتربية في نقل التراث الإنساني والاجتماعي عبر الأجيال .
ويتضمن هذا التراث كل ما هو معروف في مجتمع من المجتمعات من علم وصناعات ولغة وعادات وتقاليد وقيم ودين ، وباختصار كل ما وصل إليه الإنسان من علم وثقافة عبر العصور المختلفة كما هو مدرك ومتمثل في مجتمع ما . ويحمل الجيل الجديد هذا التراث ويعمل على صقله وتطويره وتحسينه لكي ينقله من جديد إلى الجيل الآتي بعده . والتربية هي تلك العملية التي يتم فيها نقل التراث الثقافي والعلمي من جيل إلى جيل . وتعمل أوساط مختلفة في كل مجتمع على حدوث هذا الانتقال " .
ومما يؤكد أهمية البيئة التربوية أن الله سبحانه وتعالى أذن لنبيه عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى بيئات مجاورة كالحبشة والمدينة ، وذلك لكي يحافظ المسلمون على إيمانهم ، ويستطيعوا ممارسة الشعائر التعبدية براحة ويسر . وكذلك في حديث قاتل المائة الذي نُصح بأن يسافر إلى البيئة الصالحة التي يُعبد فيها الله دلالةٌ على أهمية الوسط التربوي الذي يعيش فيه المتربي .
والبيئة التربوية التي اختارها المولى سبحانه في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، تعتبر من أفضل البيئات الإيمانية على وجه الأرض .وقد جعل الله هذه البقعة المباركة موطناً للتربية الإيمانية وزيادة الطاعات والإكثار من الحسنات، و تشرفت تلك البقعة بوجود المسجد الحرام ، ومناسك الحج وغيرهما مما ذكره الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} (الحج:25) .
ومكة هي البلد الأمين ، وفيها تقام شعائر الله ،قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة:2) .
بل إن الله سبحانه وتعالى حفظ هذه البلدة من الإفساد الذي سيحدثه المسيح الدجال في آخر الزمان ، وسيهيء المولى سبحانه حراساً يقفون على أبوابها يمنعون هذا الكافر من دخولها ، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ليس بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ، ليس من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين تحرسها ، فينزل بالسبخة ، فترجف المدينة ثلاث رجفات ، يخرج الله منها كل كافر ومنافق) رواه مسلم . وهذه الكرامة والمنقبة فيها إكرام لهذا البلد وحمايةٌ له من السوء وأهله .