• ×

04:18 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

الخطيب البغدادي ( رحمه الله )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

= الخطيب البغدادي ( رحمه الله ) : ( * )


هو الإمام الحافظ ، المُحدِّث أحمد بن علي بن ثابـت بن أحمد بن مهدي البغداديُّ ، المعروف باسم ( الخطيب البغدادي ) ، ولد في غزيه التابعة لإقليم الحجاز في سنة 392هـ ، ونشأ في قرية درزيجان جنوب غربي بغداد ، وقد قرأ القرآن وتعلم القراءات في طفولته ، ثم درس الفقه والحديث وواصل التحصيل حتى عُدَّ من رجال الحديث والفقهاء المبرزين .
يُعَدُّ الخطيب واحداً من أعظم رجال عصره في العلم والزهد ، وكان وقوراً ، وصاحب شخصيةٍ مؤثرة ، وقد تبوأ منـزلةً رفيعةً بين العُلماء ، وكان محل ثقتهم وثنائهم لصدقه وأمانته العلمية ، وحُسن خطه وضبطه ، وجودة تصنيفه ، وفصاحته ، وسعة اطلاعه . وقد أثَّرَ الخطيب في كثيرٍ ممن جاءوا بعده من العُلماء الذين استفادوا من كتبه ومصنفاته ولم يأتوا بأحسن منها .
عُرف ( رحمه الله ) بكثرة التصانيف والمؤلفات في ميادين علمية وأدبية متنوعة كالحديث وعلومه ، والفقه وأصوله ، والتاريـخ ، والزهد ، والرقائق ، والأدب ، ولم تخل مؤلفاته من العناية بالجوانب التربوية والتعليمية الهامة التي تكشف الكثيـر من ملامح الفكر التربوي عنده . ويُعدُّ كتاب ( تـاريخ بغداد ) من أشهر مصنـفاته ، كما أن من كتبه ( اقتضاء العلم العمل ) ، و ( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ) ، ( الرحلة في طلب الحديث ) ، و ( الفقيه والمتفقه ) ، وغيرها كثير . توفي الخطيب البغدادي في بغداد يوم الاثنين السابع من شهر ذي الحجة سنة 463هـ .
== من الاهتمامات التربوية للخطيب البغدادي :
على الرغم من أن الخطيب البغدادي لم يؤلف كتاباً مُتخصصاً في التربية ؛ إلا أنه تناول كثيراً من الموضوعات المتعلقة بالتربية والتعليم في بعض مؤلفاته . وفيما يلي أبرز اهتماماته التربوية :
( 1 ) اهتم الخطيب ببيان مكانة العلم وأنه فريضةٌ دينيةٌ على كل مسلم ، فخصص كتاباً لهذا الموضوع . كما تكلم في كتابه ( شرف أصحاب الحديث ) عن الأحاديث التي تحث على تبليغ العلم ونشره ، وأهمية طلب العلم ولقاء العلماء ؛ مع مراعاة أن العلم الذي يعنيه الخطيب علمٌ شاملٌ لا يقتصر على العلم الشرعي فقط ولكنه يشمل كل علمٍ يعود بالنفع والخير على المسلمين . وكان يُعظِّم العُلماء ويرى أن العلم مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بحملته منهم .
( 2 ) أكد أهمية طلب العلم في الصغر لأنه أثبت ، وكان ينصح أهل الحديث في كتابه ( نصيحة أهل الحديث ) بأن يتفقهوا في الحديث ، وألا يكتفوا بحفظه وروايته ؛ مبيناً أن التفقه يكون بمعرفة استنباط معاني الحديث وإمعان النظر فيه . وبهذا يُحذر الخطيب البغدادي من طغيان الحفظ في العملية التعليمية على التفكير والفهم والتحليل ، لما في ذلك من تعطيلٍ لملكة الفهم . ويرى أن التعلم لا بُد من أن يكون عن فهمٍ واستيعابٍ إذا قُصد منه نفع الإنسان .
ومن هنا كان تقديم الفهم عنده على الحفظ . ومع ذلك فإن الحفظ يبقى ضروريًّا لبعض الجوانب العلمية كحفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية ، وقد تعرض لبعض عوامل الحفظ والنسيان ، وأوقات الحفظ الجيد ، وأماكنه ونحو ذلك .
( 3 ) أكَّد الخطيب البغدادي أهمية اقتران العلم بالعمل ؛ فلا يُطلب العلم لذاته وإنما للانتفاع به ، وهذ هو المبدأ الإسلامي الذي يجعل العلم عبادة ، ويقرنه بالنية ، ويحكمه بالقيم الخُلقية المطلقة ، وينظمه بالشريعة . كما أكَّد استمرارية طلب العلم في الشباب والمشيب ، وكان يميل إلى ترك الحرية للطالب في اختيار شيوخه ، واختيار الموضوعات التي يدرسها ، ولذلك لم يلتزم الخطيب البغدادي بالتعليم الرسمي الذي انتشر في عصره بالمدارس النظامية . كما أنه يستحب لطالب العلم ألا يقتصر في طلبه للعلم على شيخٍ واحد .
( 4 ) حث على تعليم النساء والإماء ( الجواري ) ، وذكر أن الزوج مطالب بتعليم زوجته وأَمته ، وكل من يقع ضمن دائرة ملكه أو سلطانه . ويرى أن على الإمام ( الحاكم ) أن يُجبر أزواج النساء ، وسادات الإماء على تعليمهن إذا لم يقوموا بذلك عن طيب خاطرٍ من ذات أنفسهم .
( 5 ) يرى أن أهداف التربية تتمثل في : سلامة العقيدة من الانحراف والضلال ، وتقوى الله تعالى والإخلاص له في السر والعلن ، وإخلاص النية لله في طلب الحق ونصره وتثبيته ، ونشر العلم ومحاربة الجهل وأهل البِدع والأهواء ، والتواضع لله وعدم التفاخر أو المباهاة بالعلم وكثرة الاتباع ، والنهي عن المكابرة والمماراة ، والتحلي بالأخلاق الفاضلة والعادات الحسنة ، والحث على العمل والتطبيق لما يتعلمه الإنسان لصالح الفرد وتقدم المجتمع ، الزهد في المكاسب المادية والمظاهر الاجتماعية الخداعة ، التوسط والاعتدال في كل أحوال المرء وشؤونه ، النصح لله ولرسوله ولجميع المسلمين .
( 6 ) اعتنى الخطيب البغدادي بالتربية المتكاملة الشاملة المتوازنة التي تُراعي جميع جوانب الشخصية ؛ والتي تبدو من خلال تناوله لبعض الميادين التربوية مثل :
التربية العقلية التي تعتمد على العقل الذي عده مكوناً من مكونات الشخصية الإنسانية ، وأداةً أساسيةً للمعرفة . والتربية الخُلقية التي تقوم على تربية الخُلق الحسن والإرادة معاً . والتربية الاجتماعية التي تُعد أحد الجوانب الهامة في تشكيل شخصية الإنسان المسلم ، وتقوم على بناء العلاقات الاجتماعية وغرس الفضائل الاجتماعية فيه .
( 7 ) يرى الخطيب أن العالم قدوة في نفسه وعلمه وسلوكه ، وهو بحكم هذه القدوة محط أنظار طلابه ، ومحل ثقتهم وإعجابهم ، لذلك ينبغي له أن يتحلى بالأخلاق الحميدة والآداب الكريمة التي ورد الشرع بها . وتتمثل هذه الآداب في ثلاثة محاور رئيسة هي :
آداب العالم في نفسه وسلوكه : أن يكون مقبلاً على العلم مخلصاً النية في تعلمه وتعليمه ، وأن يعتني بهيئته ومظهره ، وأن يعتز بنفسه ويُجل علمه ليصون بذلك كرامته ، وأن يكون متواضعاً ، نصوحاً ، رفيقاً ، صبوراً ، ورعاً ، صدوقاً ، مُتثبتاً في قوله وعمله ، مجانباً للكبر والغرور ، متجنباً كثرة المزاح ، إلى غير ذلك من الآداب والسجايا الحميدة .
آداب العالم مع طلابه : أن يتخير من الأخلاق أجملها ، ومن الآداب أفضلها فيستعمل ذلك مع البعيد والقريب ، وألا يُفرق بين طالبٍ وآخر بل يساوي بينهم في النصح والتوجيه والتعليم . وأن يرفق بالمتعلمين ، وأن يُكرم أهل العلم والفضل منهم ، وأن يُنـزلهم منازلهم من العلم والشرف ، وأن يتفقد أحوالهم ، ويسأل عمن غاب منهم ، وأن يسوسهم بالرفق ، واللين ، وحُسن المداراة ، والاحتمال . وأن يتألف طلابه بالمعونة لهم حسب إمكانه . وأن يُراعي أحوالهم النفسية ( فلا يطيل مجلس الدرس حتى لا يمل أو يسأم السامع ) ، وأحوالهم الصحية ( كأن يراعي ضعيف السمع منهم ) . ومن آداب المعلم مع طلابه أن يكون بصيراً باستعداد طلابه ، وأن يُحدث كل قومٍ بما تحتمله قلوبهم وعقولهم من العلم . وأن يكون صورةً صادقةً لما يقول ويفعل ، وأن يُشرك طلابه فيما يدور في مجلسه .
آداب العالم في درسه : أن يراعي حاجاته النفسية والجسمية قبل خروجه إلى الدرس حتى لا يُخل ذلك بعطائه العلمي ، وأن يراعي الأداب الإسلامية في درسه تعظيماً لمجلس العلم ، وأن يحرص على سلامة لفظه ، وتجنب اللحن في كلامه ، وأن يحرص على ايضاح الفكرة وبيان المعنى للسامع ومراعاة مستوى فهمه وتحصيله ؛ وأن يستعين بكل وسيلةٍ ممكنة لإيضاح الحقيقة المقصودة مثل التشبيه والتمثيل والقياس .
( 8 ) ينبغي للمتعلم أن يتحلى بمجموعةٍ من الآداب التي تشتمل على ما يلي :
آداب المتعلم في نفسه : ومنها إخلاص النية في التعليم ، والتبكير في طلب العلم ، والعناية بالمظهر والهيئة وحُسن السمت ، وتجنب اللعب ، و العبث ، والضحك ، وكثرة المزاح ، والهزل في مجلس العلم . وأن يتفرغ لطلب العلم وتحصيله ، وأن يكون صبوراً ومتواضعاً وغير مغرورٍ أو مفاخر .
آداب المتعلم مع شيخه وأُستاذه : أن يكون متواضعاً له ، متأدباً معه ، مجلاًّّ له ، موقراً لمجلسه ، معترفاً بفضله . وأن يُصغي لما يقوله ، وأن يجلس بين يديه جلسة المتعلم ، وأن يُحسن مناداته ، ويترفق في سؤاله ، ويُديم الدعاء له .
=-=-=-=


 0  0  4220
التعليقات ( 0 )