• ×

04:16 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

التدين الجماعي الممارسة الأكثر غيابا في الأمة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
التدين الجماعي الممارسة الأكثر غيابا في الأمة

التدين الجماعي هو الغاية التي جاء الإسلام ليكرسها في كل مفاصل ومفردات التدين حتى في مفردات التدين الفردي التي إذا لم يكن لها انعكاس على المستوى الجماعي، فلا فائدة لها- كما سيأتي- والتدين الجماعي هو الذي جاء لينقل المجتمع من حالة الفردية المقيتة بكل صورها إلى حالة الجماعية بكل نقاوتها ونصاعتها، الحالة التي تمثل المظهر النقي، المظهر التطبيقي للحياة الإسلامية، والصورة التي جعلت العالم ينبهر بهذا السلوك الرائع الذي قفز على متطلبات الذات بمراحل كبيرة، ونقل الناس من عبادة الذات الفردية إلى عبادة رب الكون الذي شرع التشريع الجماعي بصيغه وتطبيقاته،التدين الذي جعل الفرد يتحرك بصورة الأمة بسلوكه ومشاعره وتفكيره، ومنطلقاته الخاصة والعامة.
للأسف يظن كثير من الناس أنهم بقيامهم بالصلاة والصيام يكونوا قد بلغوا رتبة الكمال، وبلغوا المنتهى في حين أن الأمر ليس كذلك، ويظن كثير من الناس أن غياب التدين الفردي، وعدم قيام الناس بالصلاة والصيام هو المشكلة العويصة، وهو الكارثة التي حلت بالأمة وأودت بها إلى مهاوي الهلاك، وطوحت بها بعيدا عن الرقي والتقدم الحضاري، وأبعدتها عن النهوض، والحقيقة أن هذا المعادلة المسلمة لدى ملايين المسلمين وملايين المتدينين غير دقيقة بل ربما غير صائبة، وفي هذا الورقة نزعم أننا نضع النقاط على الحروف، ونبين بجلاء المشكلة والمعضلة التي تعاني منها الأمة.
أولا:ماذا نقصد بالتدين الجماعي والتدين الفردي؟.
نقصد بالتدين الجماعي قيام الفرد بالوجبات الفردية بما يعكس تأثيرها على السلوك، والعلاقة بالناس والأشياء، فليس متديينا من يصلي ويصوم ويحج ويعتمر، وهو يتعامل بالربا أو يغش في البضاعة أو يؤذي جيرانه أو يحرص على الحصول على المال بالطرق غير المشروعة، وليس متديينا من يسكت عن المنكر أو يبرر لأهل الظلم ظلمهم، وأهل الفساد فسادهم .

ثانيا :أين تكمن المشكلة؟
كثير من عباد الله كما قلنا- يطن أن مشكلة الأمة، وأدواءها المتعددة تكمن في قلة المصلين والصائمين، وأن دواءها، وعلاجها الناجع هو أن يلتزم الناس بالصلاة والصيام، وهذا سقم في الفهم، وعقم في التفكير، وهذا المنطق لو علم به أبو جهل ما وقف في طريق دعوة الله، ولو كان هو الحل ما وقف الطغاة، والعتاولة في العالم ضد الإسلام، فالأمر ميسور ما الذي يضر الناس أن يلتزم الإنسان فرديا،وما الذي يؤثر على مجتمع فيه ألاف بل مئات الآلاف بل ملايين المصلين والصائمين هذا تدين فردي، فالمشكلة ليست في التدين الفردي- ونعني بالتدين الفردي التدين الذي لا ينعكس في السلوك - وإنما تكمن المشكلة في غياب التدين الجماعي، التدين المنعكس على المجتمع؛ لأن التدين الفردي لا ينفع صاحبه إلا إذا كان ملتزماً بالتدين الجماعي، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: عندما ذكرت له امرأة تصوم النهار، وتقوم الليل غير أنها تؤذي جيرانها، فقال : (لا خير فيها هي في النار)، وذكرت له أخرى تصلي الواجبات، وتقوم رمضان، ولكنها لا تؤذي جيرانها قال : (هي في الجنة)( )،وقال في من لم يؤثر فيه الصيام اجتماعياً : (من لم يدع قول الزور والعمل بت، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)( )، وقال ابن عباس رضي الله عنه عند تفسير قوله تعالى : ﴿إن الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ (العنكبوت/45) (من لم تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له)( ) ولم يكتسب المرء الخيرية بكثرة صيام، ولابكثرة صلاة، ولابكثرة بكاء، وإنما اكتسبها لأنه الأنفع للناس، ولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم : خيركم من أكثر من الصلاة، وإنما قال : (خيركم خيركم لأهله)( ).
إذاً نحن بحاجة إلى إعادة صياغة الشخصية الجماعية : الشخصية التي يتطابق سلوكها العبادي بالمفهوم الفقهي مع سلوكها العبادي بالمفهوم الاجتماعي، الشخصية التي لا تعتبر الصلاة نهاية المطاف، وتعتبر أن الفرد بالتزامه بالصلاة والصوم سينال الجنة، فعلى كل فرد أن يدرك أن كلمة فيها إيذاء لجار، أو كلمة زور ضد أحد ، أو شهادة لظالم ، أو تصفيق لمستبد، أو تصديق لسفيه أو مدح له، أو تأييد لمنحرف تحرق كل حسناته العبادية، ولو كانت مثل الجبال، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)( )، فنحن بحاجة إلى الشخصية التي تفقه أن حقوق الله من صيام، وصلاة مبنية على المسامحة، بينما حقوق العباد مبينيه على المحاسبة، فمن قطع الصلاة أو ترك الصيام ثم تاب بشروط التوبة المعروفة، فإن الله يقبل توبته، أما من ظلم غيره - بأي شكل من أشكال الظلم - وتاب، فإن توبته لا تقبل حتى يرد مظلمة من ظلمه، أو يصدر من المظلوم مسامحة للظالم.
فالأمر ليس هين، وحساسية العلاقة بالناس، وبالبيئة بكل إشكالها وصورها مرتفعة جدا، وحسن هذه العلاقة أو قبحها معيار الدخول إلى الجنة أو النار، ومفهوم صحة الود مع الله مرتبط بمدى تحقيق ما يصلح الأمة وبمدى مايبعد عما يضر بالمجتمع، وقد ذهب الناس بأفهامهم بعيدا عندما ظنوا أن صحة الود مع الله تكمن في كثرة الصلاة والصيام والذكر في الخلوات، دون اعتبار لما يصلح الأمة أو يفسدها، وتمثلوا قول الشاعر :
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
وتجلى فيهم الفهم العلماني للدين الذي يفصل التدين عن الحياة، ويجعل من الدين سلوك شخصي،وكثير من الناس نجده يردد قول الشاعر:
مالي وللناس إن مالوا وان عدلوا ديني لنفسي ودين الناس للناس
وشاع في الناس فهما خاطئا لقوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ (المائدة/105)، حيث فهموا أن التدين الفردي هو الأساس، وان الإنسان متى كان ملتزما بالصلاة والصيام لايكترث بما عند الناس وأنهم لايهمونه بشيء، وهذا الفهم المغلوط أو الخاطئ تنبه له الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما أحس بوجوده، فشنع على الناس فهمهم هذا( ).

ثالثا:مظاهر غياب التدين الجماعي.
المتتبع لمظاهر الغياب التدين الجماعي في المجتمع سيجد مفردات كثير وفي مختلف المجالات الحياتية فلا يخلو مجالا إلا وفيه مظهر لغياب التدين الجماعي، فقد يوجد الشخص المتدين الذي لا يترك فرضاً من فروض الصلاة ، بل ويكثر من النوافل، ويصوم رمضان، وقد يصوم الكثير من النوافل ، لكنه يسلك سلوكاً سلبياً تجاه الآخرين، فلا يتورع عن إيذاء جيرانه، أو لا يتورع عن الكذب أو عن الأيمان لينفق سلعته ويغش في بيعه أو يرتشي أو يرتكب الفواحش ، أو ينم أو يغتاب أو يتجسس أو يخدع، ولا يتحمل إيذاء الآخرين ويغضب لأدنى سبب، ويخاصم إلى حد الفجور، مع أن مخالطة الناس والصبر على أذاهم من الأمور المحمودة، وان المسلم الذي يقدم الخدمة للآخر أفضل من العابد، وعند النظر إلى فضائل الأعمال سنجد أن من يجمع الصدقات ويوزعها على الفقراء والمساكين أفضل ممن يعتكف في العشر الأواخر في رمضان، والذي يعلم الناس العلم أفضل ممن يحج ويعتمر، لأن الذي يعلم الناس ويقدم الخدمة للمجتمع يحقق الاستخلاف والتمكين ، أما الذي يلتزم بالعبادات بالمعنى الفقهي لا يحقق الاستخلاف ولا التمكين، و يمكن رصد بعضا من مظاهر غياب التدين الجماعي على النحو التالي:
1- انتشار الغش في المجتمع.
طلبت- يوماً- من طلابي إحصاء لصور الغش في المجتمع اليمني المسلم ، فهالني ما سمعت وقرأت، فصور الغش دخلت في كل السلع: الغذائية، والدوائية والتجميلية، ومواد البناء، ومواد الكهرباء، من المسئولين ومن التجار ومن الفلاحين والمزارعين، والحرفيين، ولا يوجد مجال من مجالات الحياة إلا ودخله الغش حتى ظننت أني في غابة من الوحوش التي تنهش قيم وأخلاق المجتمع، وسألت نفسي هل كل المسئولين والتجار يقطعون الصلاة؟ ويفطرون رمضان ؟ فكانت الإجابة بل يصلون ويصومون، وقد عرفت شخصاً لا يترك فرضاً، بل كان يبكي في الصلاة بكاء الثكلي، وهو اليوم يتبوأ منصباً حكومياً ، وقد أصبح يملك الدور والعقارات التي كسبها من الإتاوات والعمولات و و........ وغيرها ، وما زال إلى يومنا هذا لا يترك فرضاً، وهناك ألاف بل ملايين من المسلمين على هذا الشاكلة .
الأدهى والأمر أن كل واحد منا لايستطيع أن يشتري سلعة من السوق حتى على مستوى البطاط والطماط، وهو مطمئن وغير متوجس من الغش، فالغش أصبح سلوكا اعتياديا في المجتمع، وغير مستنكر، وهنا تكمن الخطورة، إذ لا يمكن أن يجتمع التدين والغش.
2- انتشار المشاكل بين الجيران.
قال صلى الله عليه وسلم: (ثم ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثنه)( ) بهذا اللفظ اللمبهر الموجز عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علاقة الجار بجاره حتى أوصلها إلى حالة التوارث الذي لايستحقها إلا من يرتبط بالميت ارتباطا نسبيا أو سببيا، وما يحدث اليوم بين الناس من احتكاكات على المستوى الدولي أو المحلي إلى أدنى مستويات الجيرة، فلعى المستوى الدولي بين البلدان الإسلامية نجد جفا وتآمرات، ومكايد يندى لها الجبين، وكم عانى ويعاني الجيران بعضهم من بعض لدرجة الاعتداء المسلح أو الاجتياح،وكنت أتمنى أن تقتصر العلاقة بين الجيران على الحد الأدنى من التعامل الإسلامي(سلامة الصدر) ولسان حال كثير من البلدان إزاء ما يلاقون من جيرانهم، لا نريد منكم إلا كف أذاكم، فلانريد دعما ولا مساعدات- وإن كانت هذه من لوازم حسن الجوار- هذا المستوى من التمني يؤلم القلب.
أما على المستوى المحلي، فعلاقة الجيران ببعضهم كثيرة الأشواك فكثير من الجيران يشتكي من سوء جيرانه لدرجة غير منطقية ،مع وجود التدين الفردي بأعلى مستوياته.
3- غياب الاهتمام بحماية البيئة.
البيئة المجاورة هي الصديق الحميم أو العدو اللدود بحيث إذا صدر عن الإنسان إيذاء لمحتوياتها سترتد عليه بالويل والثبور؛ لذلك فان الاهتمام بها واحترامها غاية في الأهمية، وقمة في التدين الجماعي غير أن هذا الأمر للأسف مفقود في كثير من مفردات حياتنا،فكثيرا ما نشاهد من يؤذي الشجر المزروع في شوارع المدن ،ويقوم بقلع الأشجار في الريف بطريقة عشوائية إلى درجة صناعة التصحر في كثير من مناطق اليمن وكثير من الأشجار الحراجية( ) تلاشت وانتهت بسبب الإزالة العشوائية لها،وعدم الاهتمام بها لأنها غير مثمرة بل وصل الأمر عندنا نحن أبناء اليمن- إلى إبادة الشجرة المثمرة المفيدة واستبدالها بالشجرة الخبيثة(القات)،إلى جانب إيذاء الشجر ثمة إيذاء للبيئة المتمثلة في الساحات والشوارع حيث تتعرض لرمي المخلفات وترك المجاري تطفح عليها بصورة مقززة، ويكفي أن نضرب مثلا للمخالفات الشرعية التي يقترفها الناس في شوارعنا ويتأذى منها الناس حد الإصابات البليغة بل ربما الموت يكثر رمي مخلفات الموز و(المنقة) على الإسفلت فيحدث أن ينزلق المارة بها لدرجة الإصابات البليغة،فلا تصورنا شخصا ما رمى مخلفات الموز على الإسفلت ، فجاء شخص فانزلق بها وأصاب رأسه وأدت الإصابة إلى الموت ،فالحكم الشرعي على من ارتكب ذلك الفعل تجب عليه الدية وصيام شهرين متتابعين لأنه قتل خطأ، فهل يعي الناس هذا؟؟
فغياب الاهتمام بالبيئة وإيذاءها من المظاهر الواضحة لغياب التدين الجماعي.
4- كثرة المخالفات المرورية.
السير في الشوارع بالمركبات أو بالأقدام لها ضوابطها وشروطها المحددة عالميا والالتزام بتلك الشروط والضوابط وعدم مخافتها تدين جماعي يؤدي إلى مصلحة حقيقية لايختلف عليها اثنان، ومقصد من مقاصد الشريعة ،فكم تسببت المخالفات لقواعد السير من كوارث غير قليلة، فنحن في اليمن كم فقدنا من أبنائنا اليمن بسبب حوادث المرور التي يعد العامل الرئيس فيها المخالفات المرورية،ويكفي أن وزارة الداخلية تطالعنا في كل شهر بإحصاءات هائلة من القتلى والجرحى ففي احد أخر شهر يونية 2012م سمعت المتحدث باسم وزارة الداخلية عبر إذاعة صنعاء يقول عدد الوفيات من حوادث المرور في ذلك الشهر بلغت 180 حالة وهو يقول: إن هذا الشهر اقل من الشهور السابقة،فإذا أخذنا بهذا العدد كمعدل شهري سيكون العدد 2160 حالة وفاة ،وسيكون العدد في خمس سنوات 10800حالة وفاة.
هذا المجزرة المروعة من المسئول عنها ومن الذي بيد العمل لإنقاذ هذا النزيف المروع.
5- عدم الاهتمام بالمواعيد.
( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان)( ) بهذا النص الجلي أوضح المصطفى صلى الله عليه وسلم مكانة الخالف للوعد، بين خصال ثلاث من خصال النفاق وعلامة من علامات المنافقين( ) والنفاق من أقبح القبائح التي شنع عليها القرآن وشنع عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لها من آثار سلبية على الصف الإسلامي الذي لم يخشى من فعل الكفر مثل خشيته من فعل النفاق، وبالفعل إن الإسلام والمسلمين عبر تاريخهم لم يؤتون من كفر ظاهر واضح، وإنما أوتوا من نفاق فتتت قوتهم وشكك المسلمين في عقائدهم وأدخل قادتهم في حيص بيص، فخلف الموعد ظاهرة بين المسلمين لاينكر وجودها احد من الناس فالموظف في عمله والأستاذ في مدرجه والعامل في عمله والحداد في حدادته والنجار في نجارته، والملاحظ أن كل الناس يشتكون من خلف المواعيد من قبل أصحاب المهن، والكثير ممن يشتكي يمارس خلف الموعد بصورة واضحة، واستهان الناس بمصالح بعضهم البعض فتضرر الخالف قبل المخلوف عليه، وفقد الناس ثقتهم ببعضهم، ووصل المجتمع إلى حافة الانهيار، وتعود الناس ألا يأتوا في المواعيد المضروبة، وتسلل هذا السلوك حتى إلى أوساط المتدينين، وأصبح الواحد منا إذا أراد موعدا يعمل حسابه أن يقدمه بساعة أو بنصف ساعة لان الناس سيتأخرون على الموعد المضروب ،وقابل الناس هذا السلوك بشيء من البرود وألا مبالاة .

6- فشو الكذب.
الكذب عادة قبيحة ومستهجنة عقلا استهجنتها ورفضتها النفوس السوية عبر التاريخ، وجاءت الشرائع لتؤكد على قبحها، وهي ظاهرة تفكك المجتمع تفكيكا شديدا، ولا يستطيع الإنسان أن بأمن على عرض ولا على دم ولا على مال ولا بأمن على أي شيء من أشياءه الخاصة والعامة، فالكاذب لا أمان له، ولا عهد ولا ذمة، ولا ضابط، فهو كتلة من الشرور، ولو كان مبتسما، ومن تعود الكذب أصبح كل حياته، فالكذب السياسي والكذب الاجتماعي، والكذب الاقتصادي، والكذب الدبلوماسي وكلها أنواع وسلاسل من الكذب دمرت الشعوب وقضت على تماسكها ودخل الشك إلى كل قلب،فالأب يكذب على أبنائه والعكس، والزوج يكذب على زوجته والعكس، والأخ يكذب على أخيه والعكس، والصديق يكذب على صديقه والعكس، والذكر يكذب على الأنثى والعكس، وأصبح الشاطر- في نظر كثير من الناس- هو الذي يكذب أو الذي يقنع الآخرين بالشيء وعكسه، والأخطر أن يصبح الكذب صفة القادة وصفة الحكام إلى درجة الكذب المفضوح، ولأن المجتمعات قد استمرأت الكذب، فان حساسيتها تجاه الكَذبَة(جمع كاذب) ضعيفة، وأصبح الكذبة من الساسة يجدون أنصارا كثرا، واختلط على الناس، فأصبحوا لا يفرقون بين الكاذب وغيره.
7- غياب المسئولية.
حساسية الناس تجاه القضايا العامة أصبحت صفرا، فحساسية عمر رضي الله عنه لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله لما لم تصلح لها الطريق منعدمة،وحساسية المعتصم منعدمة لدرجة أن الشاعر عمر أبي ريشة يستنهض هذه النخوة في الأمة فلا يجدها
رب ومعتصماه انطلقت **** ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها **** لم تلامس نخوة المعتصم
فيرتد إلى تساؤلاته
أمتي هل لك بين الأمم **** منبر للسيف أو للقلم
أتلقاك وطرفي مطرق خجلا من امسك المنصرم
أقول: إن الاستجابة لمفهوم الثغرية التي قصدها الفقهاء مفقودة قال الأوزعي :كان يقال : (ما من مسلم إلا وهو قائم على ثغرة من ثغر الإسلام، فمن استطاع ألا يؤتى الإسلام من ثغرته فليفعل)( )، وحل محل هذا المفهوم الخرق الممنوع بنص حديث السفينة، فأصبح العشرات بل المئات يخرقون في أنصبتهم خرقا لتحقيق مصالحهم الشخصية، دون إحساس لما قد يصيب الأمة بل وصل الأمر إلى بيع البشر, والثروات والحجر مقابل حفن من الدولارات، أو مقابل المال المدنس ، ووصل الأمر بكثير من المشرفين على المشروعات الكبيرة كالمجمعات السكنية، والجسور والطرقات أن يوقعوا على سلامتها واستلامها، وإدخالها في الخدمة مع علمهم أنها غير مطابقة للموصفات، فتحدث الكوارث التي ليست غائبة عن كثير منا، فالمسؤولية مفقودة عند التاجر، وعند المسئول وعند العامل، وعند المربي، وعند عشرات بل آلاف من الأمة.
8- خيانة الأمانة.
(أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)( ) بهذا التعبير الموجز طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم سلوك المسلم،إيصال الأمانة والامتناع عن الخيانة حتى مع من اشتهر بالخيانة ومن ولا تخن من خانك من قصدك بالخيانة لا تخنه ولهذا وضع الإسلام شرطا لنقض العهود قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال/58)، أعلمهم بنهم قد خانوا العهد انك ستبرأ منهم ومن عهدهم، يتحلل من العهد، فخيانة الأمانة من الأمور الخطيرة والأمور المستقبحة شرعا وعقلا،وهذه الجريمة موجودة في مجتمعاتنا الإسلامية بشكل واضح وفاضح ابتداء من سلوكيات الفرد وانتهاء بسلوكيات الحكام والمسئولين.
فهذا المظهر من مظاهر غياب التدين الجماعي إلى جانب ما سبق ذكره من المظاهر لا يخفى على ذي لب ما لها من الآثار السلبية، وما أسهمت في تدمير بنى المجتمع المسلم ومجالاته المختلفة.
إذاً ليست المشكلة في التدين الفردي ، فالمساجد مكتظة ، وأحسب أن نسبة من 80-90% من المسلمين يؤدون الصلاة ، ويصومون رمضان ، والمعتمرون في شهر رمضان يصلون إلى ملايين ، ويصل الحجاج في كل عام إلى ملايين-أيضا- فحياة الأمة في مجال التدين أو الواجبات الفردية تمام التمام.
رابعا : الآثار السلبية للتدين الفردي.
التدين الفردي الذي نعنيه هو التدين الذي لا ينتج ثمرة في الآخرين، التدين الذي يجعل صاحبه لا يقدم خيره للمجتمع، ولا يكف أذاه عنه كحد أدنى-، بمعنى آخر التدين الذي يهتم بالعبادات بالمفهوم الفقهي(صلاة، صوم زكاة( )،عمرة حج) أي العبادات ذات الأثر الفردي، التدين الذي لا يجعل صاحبه يهتم بأمر الأمة، أويتمعر وجهه لانتهاك الحرمات فيها، ويحسب أنه قد بلغ المنتهى بصلاته وصيامه، وقد يكون منتميا إلى تيار أو إلى حركة ما، ويظن انه قد امتلك مفاتيح الجنة، وقد لا يكون على شيء، وحتى يتبين الأمر ويتجلى نشير في الفقرات التالية إلى مظاهر التدين الفردي، كصورة لايستطيع أحد أن ينكرها ،وبعبارة أخرى لابد من ملاحظتها وإدراكها وضرورة معالجتها، والتخلص منها لأنها من الأدواء التي يظن البعض أنها علاجات، ومن أهم تلك المظاهرة ما يأتي :
1- الأنانية المفرطة.
التدين الفردي يعزل صاحبه عن الأمة، ويُعَوِّدُ صاحبه على الأنانية المفرطة، وتقديم الفردي على الجماعي بحيث يصل به الأمر إلى التقتير على أهله وأبنائه، ولا يهتم بهم الاهتمام الواجب ، ولا يستشعر أنه مسئول عنهم، فأصحاب التدين الفردي يبخلون على الناس بأدنى ما عندهم، اذكل واحد منهم تصبح يده مغلولة إلى عنقه، ويتولد بداخله الطمع المادي بصورة يتخصم لكل الناس بسبب المادة، ويظهر في سلوك وتصرفات هذا النوع من المتدينين عدم التسامح وسرعة الغضب، وعدم الرغبة في الاعتذار، والإصرار على الرأي، وعدم التهاون في المطالبة بما يعتبرونه حقا، بل والمخاصمة عليه، ولو كان حقيرا، فالواحد منهم يقيم الدنيا ولا يقعدها، ويخاصم وقد يضارب، بل قد يقاتل على أمر لا يساوي إلا القليل( ).
2- القسوة الاجتماعية وسوء التعامل مع المجتمع.
بحيث تظهر في سلوك المتدينين التدين الفردي خشونة(وجلافة) ولا تلين قلوبهم لم يحدث في المجتمع من المآسي،بل لا تلين قلوبهم لأقرب المقربين كالأب والأم والزوجة والأبناء والأخوة والأخوات، فمن السهولة عندهم معصية الأب أو الأم أو تقطيع الأرحام أو حرمان الأبناء من ابسط الأشياء،وتضيق صدورهم بمن حولهم.
3- التعالي على المجتمع.
إذ يظن الواحد منهم أنهم فوق المجتمع وأن المجتمع جاهل لا يفقه شيئاً،وينظر إلى الناس بنظرة ازدراء واحتقار ، ويعتبر نفسه قد بلغ المنزلة سيما إذا كان ملتزماً بالسنن فتراه عند ذكر بعض المقصرين في القيام بالسنن يقول: الله يهديهم أو نسأل الله السلامة، وهو في الحقيقة ينظر إليهم نظرة تعال،وترفع،ولا يتورع أن يطلق عليهم مصطلح عوام.
4- المبالغة في القيام بالعبادات الفردية.
فبعض المتدينين يبالغ في التزامه بالعبادات إلى درجة يتحول في تدينه إلى مصدر إزعاج لمن حوله ، فبعض المتدينين قد يخاصم أهله وبنيه وجيرانه لأنهم لا يلتزمون بالسنن وبعض المتدينين يفقد أهله وأولاده بمبالغته ومحاولته قسرهم على الطاعات المندوبة، لأن مبالغته تتحول إلى تنفير،فبعض الناس إذا توضأ في المسجد أسرف بالماء أو بالغ في استعماله وقد يتسبب في سد المجاري بسوء استعماله، ويجعل الماء يسيل من كل أطرافه ،وإذا صلى جماعة يريد الإمام على مزاجه فلا يطول ولا يتأخر في إقامة الصلاة ولا يسمح لطفل أن يكون في صف بين الرجال وقد يعترض بشدة على ترك بعض السنن،وإذا صام رمضان حول حياة أهله إلى جحيم وتحول إلى وحش وكأنه يستأنس عندما يقال لا تزعلوا منه فهو صائم،ولا بد أن يصنع له طعاما معينا وإذا قصر أهله في ذلك قلب الدنيا،وإذا صام نافلة علم الناس كلهم بأنه صائم لسوء سلوكه،وإذا نبه أبنائه لصلاة الفجر يطرق الأبواب طرقا تفزع له القلوب وإذا أراد العمرة قتر على أهله وأولاده المصروف حتى يوفر حق العمرة .
5- اضطراب الأوليات:
ففي الوقت الذي يهتم ويبالغ بالسنن العبادية يهمل السنن الاجتماعية بل يصل الأمر إلى أبعد من ذلك فيهمل الواجبات الجماعية(الاجتماعية) ،مثل معصية احد الوالدين أو عدم الإنفاق عليهما أو المنة عليهما أو قطع الأرحام أو المخاصمة الفاجرة للمسلمين أو التجسس الغيبة والنميمة.
فعلى سبيل المثال نجد الكثير من الناس يحرص على العمرة في حين لو أنه أنفق المبلغ الذي سيخسره في العمرة في عبادة جماعية اجتماعية كأن يكفل يتيما أو يكسي أسرة ، أو يتبرع لبناء مركز لتحفيظ القرآن أو يساهم في إنشاء مصنع لتشغيل العاملين أو يبني مدرسة أو مستوصف لكان ذلك أرجح بكثير في ميزان الحسنات يوم القيامة قال ابن القيم.
6- السلبية في تعامله مع قضايا الأمة.
ولان التدين الفردي يكسب الأنانية فان الأنانية- بدورها- تكسب صاحبها سلبية شديدة تجاه قضايا الأمة فلا يهتم لشأن من شؤونها ولا متابعة أخبار ولا مشاركة في تغيير حال فيها، وإذا ما دُعي لمثل ذلك عدة شأناً سياسياً لا يعني له إلا التدخل في ما لا يعنيه ، وكم سمعنا الكثير من المتدينين من هذا النوع يلومون الشباب الإسلامي وهم يجمعون تبرعاً لفلسطين أو يتبرعون لفعالية يهتم بشأن من شؤون الأمة، بل لا يتورع البعض منهم عن المحاربة لخدام المجتمع بحجج أو هي من بيت العنكبوت.
ما مضى هي بعض المظاهر التي يمكن مشاهدتها لدى عدد مهول من المسلمين اليوم والأمة اليوم وصلت إلى مرحلة الغثائية المقصودة بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثم يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت)( ) فهذه الحالة لا ينقصنا فيها العدد ، ولا ينقص فيها العبادات الفردية أو التدين الفردي ،وعليه فليس ثمة مشكلة في التزام الملسمين اليوم بالعبادات الفردية ، وإنما المشكلة هي في غياب العبادات الجماعية المقصود بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)( )، وقوله(ثم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)( ) التدين الذي لو عطس صاحبه في الصين لقال له أخوه في فرنسا يرحمك الله.
إن الجوع يفتك اليوم بملايين من البشر والغالبية الساحقة منهم من المسلمين والأميين في العالم 700 مليون إنسانا 75% منهم في 15 دولة معظمها إسلامية ولا يتحرك ضمير الأمة ن ولو افترضنا أن عدد أفراد الأمة الذين يستطيعون أن يتبرعوا في الشهر الواحد بدولار واحد يساوي مائتي مليون فتتكون الحصيلة شهرياً مأتي مليون دولار فإذا أحسنا استثماره فإنه سيصنع الشيء الكثير.
خامسا: أضرار غياب التدين الجماعي
إلى جانب ما سبق من الإشارة إلى المظاهر السلبية لغياب التدين الجماعي والمظاهر السلبية للتدين الفردي ،فان أهم اثر لغياب التدين الجماعي يكمن في اضمحلال العاطفة الجماعية التي قصد الوحي زرعها في نفوس المسلمين بالتصريح بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة/71). وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ثم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)( ) وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن أو كالبنيان يشد بعضه بعضا)( ).
وينشأ المجتمع مجتمعا متفككا نفسياً وسلوكياً ، فكل فرد من أفراده إنما يقصد ذاته فيخاصم ويصالح ويصادق ويعادي وفقاً للمردود الذاتي،ولا يحتل الفعل الجماعي عند الفرد أي مساحة ، وتصبح الأنا هي المسيطرة وهي المتحكمة في سلوكياته وعواطفه.
وتصبح الأنانية الحاكم الوحيد في الحياة في الحكم والسياسة ، في الاقتصاد وفي الاجتماع وفي كل مجال من المجالات.
وما لم ننتقل من مربع (الأنا) الفردية ، إلى مربع الجماعية فإننا سنضل نتوه ونتخبط.
وعلينا أن ندرك أن الإسلام عندما وضع منهج النشأة ركز على أعداد الإنسان بطريقتين.
الطريقة الأولى: إعداد الذات بالذات في إطار المجموع فالواجبات الفردية (العينية) فرضت بالصيغة الجماعية وهي على نوعين أحدهما: ذات الطابع الفردي القاصر على الفرد ، كالصلاة ، والحج ، والصوم .....إلخ
الآخر : ذات الطابع المتعدي ، كاحترام الجيران ، وطاعة الوالدين ، وأداء الزكاة والامتناع عن المحرمات كالسرقة ،والزنا، والرشوة ، والربا، والتجسس ، والغيبة والنميمة .... إلخ.
فالفرد عندما يقوم بواجبه عليه أن يستحضر في خاطره وذهنه أنه ليس وحده من يقوم بهذا التعبد، فهو يسجد وغيره من المخلوقات تسجد ، وغيره من البشر يسجدون ، لأنه إذا لم يستحضر هذا المعنى في ذهنه فإنه قد يصاب بالإحباط ، ولأهمية الإطار الجماعي لتطبيق الواجبات، فإن السلطان يعاقب المقصر في أداء الواجبات الفردية كقطع الصلاة،أوالصيام،أو عدم الإنفاق على الوالدين أو اقتراف المحرمات .... إلخ.
الطريقة الأخرى: إعداد الفرد بالمجموع ، أي بالمناشط الجماعية، والواجبات الجماعية(الكفائية) كثيرة جداً،والقيام بها على وجه يحقق الكفاية( ) يغرس في النفوس العاطفة الجماعية التي توجد التماسك الاجتماعي ، وتحافظ على المجتمع من التفكك والانحلال.
وما لم تسير الطريقان بشكل متوازن فإن النتيجة تكون سلبية ، إذا لا يكفي أن يلتزم المكلف بالواجبات الفردية بل لا بد من الواجبات الجماعية والعكس.
وتحقيق التبعد الفردي لا يفي، فالمرأة التي كانت تقوم الليل وتصوم النهار وتؤذي جيرانها حكم عليها النبي صلى الله عليه وسلم بالنار ، وفي مقابلها المرأة التي كانت تؤدي المكتوبات ولكنها لا تؤذي جيرانها حكم عليها بالجنة ، وكذا المفلس المذكور في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم أتدرون ما المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)( ).
وفي المقابل تحقيق البعد الجماعي لا يفي، فالذي يؤدي الواجبات ذات الأثر الجماعي أو الواجبات الجماعية دون أداء الواجبات ذات الأثر الفردي فلا ينفعه ذلك أيضا- وعليه فلا بد من البعدين والطريقين لقيام الأمة.
سادسا:استثمار المساجد لتثوير التدين الجماعي .
قيادات الناس والتحول بهم من حالة التآكل إلى حالة التكافل تحتاج إلى جهود جبارة ، ويلعب المسجد دوراً رئيساً ، فمبدأ المحلية أو الإقليمية التي قصدها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ حين أرسله إلى اليمن حيث قال له خذ الصدقة من أغنيائهم وردها إلى فقرائهم( ).
يمكن تطبيقه على مستوى كل مسجد ، بحيث تتكون في كل مسجد لجنة مسجدية تقوم بتحديد المربع الذي يغطيه المسجد، وتقوم بعمل قاعدة بيانات بكل مكونات المربع الأغنياء والأيتام العاطلين عن العمل ، ومن خلال الصندوق الدائم يتم تحديد الاحتياجات وجمعها تمويلها من أغنياء الحي وتغطيتها، وبالفائض يغطى به مربعات أخرى.
ويمكن لخطباء المساجد الانتقال بجمهور المسجد من جمهور (ما دخلي) إلى جمهور أنا لها أو هاأنذا.
ونؤكد على أن جمهور المسجد اليوم لا يحتاج إلى تحفيزه على التدين الفردي وحثه على الالتزام بسنن العبادات بقدر ما هو بحاجة إلى الانتقال به من مربع السلبية إلى مربع الايجابية والفاعلية، وهذا لن يحدث إلا إذا غير الخطباء من أساليبهم التقليدية التي تغرق في التحفيز على المستحبات العبادية وترك الواجبات والمستحبات الاجتماعية.
و بإمكان الخطيب نقل جمهور المسجد نقله تدريجية، يبدأ من النظافة بحيث يتقدم الصفوف مع مجموعة المسجد للقيام بحملة نظافة للمربع الذي يغطيه المسجد.
كما بإمكانه إنشاء السوق الخيري ، والمدرسة الخيرية ، والمناشط كثيرة وبالإمكان الابتداء بالأشياء البسيطة ثم الانتقال إلى ما هو أكبر ، فحملات التشجير والنظافة وإزالة المخلفات ، وتزيين الأرصفة ، وتبليطها ، وحملات القضاء على الفقر ، والبطالة وحملات العفاف ، وحملات الصيانة للحدائق والمتنزهات ..... إلخ.
ولا يمكن أن نتخلص من مظاهر التدين السلبي إلا إذا اعتمدنا النشأة الجماعية ، وجعلنا البعد الجماعي يسري في الإنسان مع الدم ولا يكون ذلك إلا بالتوجه الكلي في التربية الأسرية ، في التربية والتعليم في الإعلام ، في المسجد ، ولا بد من تحقيق نموذج الإقتداء الاجتماعي.
وفي تصوري خطبة الجمعة ينبغي أن تركز على الأبعاد الجماعية ، وإذا أشارت إلى البعد الفردي، فبما يدعم الأبعاد الاجتماعية ، لأن الاحتياجات الجماعية هي الأهم ، والفرد إذا تربى تربية جماعية، فإن التزامه الفردي سيكون تحصيل حاصل.
والله من وراء القصد

أ.د احمد صالح قطران
أستاذ أصول الفقه والفكر الإسلامي المشارك جامعة صنعاء.
Dr_qutran@hotmail.com
Dr_qutran@yahoo.com

 0  1  3279
التعليقات ( 0 )