• ×

10:06 صباحًا , الجمعة 8 ربيع الأول 1440 / 16 نوفمبر 2018

- آخر تحديث 06-01-1440

موقع الدكتور غيثان

إعداد المعلِّم بين الواقع والمأمول

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إعداد المعلِّم بين الواقع والمأمول
إعداد : الدكتور/ عبدالقادر بن محمد عطا صوفي
(أستاذ العقيدة والمذاهب المساعد، ونائب مدير مركز البحوث التربويَّة بالكلية)
الحمد لله وكفى ، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى . أمَّا بعد :
فإنَّ من الحقائق المسلَّمة، والوقائع المؤكَّدة أنَّ العمليَّة التربويَّة التعليميَّة تقوم على أربع قواعد ؛ على معلِّمٍ، ومتعلِّمٍ، ومادَّةٍ تُعلَّم، ومنهجٍ وطريقة يُعلَّم بها .
وليس من ضررٍ ، أو ضعفٍ ، أو انحرافٍ يُصيب إحدى هذه القواعد ، إلا ويُضرّ بالعمليَّة التعليميَّة كلِّها ، ويُعيقها عن تحقيق أهدافها المبتغاة ، ويَقْصُرُ بها عن بلوغ الآمال المرتجاة .
ولكنَّ بعضَ الشرِّ أهونُ من بعض ؛ فما يُصيبُ المتعلِّمَ من ضعفٍ أو عجزٍ يُمكن تداركه ، وما يلحق بالمادة العلميَّة من اضطراب أو تُخمة يُمكن تقويمه، وما ينوب الطريقةَ من فوضى أو جُمـود يُمكن تعديلـه ؛ إذ كلّ ذلك مِمَّا يُتدارك على مرِّ الأيام ، ويُقوَّم فيستقيم .
ولكنّ البلاءَ الأعظمَ في فساد المُعلِّم وعدمِ صلاحِهِ، وهناك الخطب الفادح، والمصيبة العُظمى ، وحينها لا ندعو ثُبوراً واحداً ، ولكنَّنا ندعو ثُبوراً كثيراً .
فمِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ العنصرَ الأساسيّ ، والعاملَ الأهمّ في تحقيق الأهداف العلميَّة والتربويَّة ، يتمثَّل في المعلِّم .
ومن هُنا كان إعداد هذا المُعلِّم ليكون صالحاً في نفسه ، مُصْلِحاً لغيره من أولويَّات مؤسَّسات التعليم ، وطليعة أهدافها .
والأمم قد اختلفت في تحديد مَنْ هو المُعلِّم الصالح نتيجة اختلاف أهداف التربية والتعليم لديها؛ إذ لكلّ أمَّة هدفٌ تُعدُّ المعلِّم للوصول إليه، ولكلِّ جماعة غاية تسعى لتحقيق المعلِّم لها .
وأُمَّة الإسلام -أفضل الأمم، وأهدافها أسمى الأهداف ، وغاياتها أرفع الغايات- ، وهي تسعى للوصول بالمعلِّم إلى القمَّة السامِقة ، والمرتبة السامية ، ولا سيَّما معلِّم المرحلة الابتدائيَّة، تلك المرحلة الصعبة الكؤود التي هي القاعدة والأساس لبقية المراحل، فإذا صلحت، رُجِيَ صلاح البقيَّة، وإذا فسدت، فهيهات هيهات أن ينصلح ما بعدها .
لذلك تعمل المؤسَّسات التعليميَّة في الدولة الإسلاميَّة على أن يمرّ المعلِّم بمراحـل ثلاث : مرحلة التعلُّم ، ثمَّ مرحلة الإعداد للتعليم ، ثمّ مرحلة التعليم واتّخاذه مهنة .
أمَّا المرحلة الأولى -وهي مرحلة التعلُّم- : فإنَّها تبدأ منذ سنين الطفل الأولى، وتستمرّ إلى نهاية المرحلة الثانوية .
وينبغي أن يُعدَّ المعلِّم في هذه المرحلة إعداداً علميًّا جيِّداً ، بحيث يُصبح قادراً في المرحلـة الثالثـة –مرحلة التعليم واتخاذه مهنة- على حمل أعباء هذه المهنة ، وتذليل صعابها ، وجَعْلِ التلاميذ قادرين على هضم المادة العلمية وإساغتها ، وفق منهجٍ سليم واضحٍ ، يُحقِّق أهداف التربية والتعليم . وهذا أمرٌ لا يقدر عليه أو يصل إليه إلا معلِّمٌ بلغ مستوى طيِّباً من العلم ، وجمع رصيداً جيِّداً من المادَّة العلميَّة .
وإنَّما شرطنا أن يمرَّ المعلِّم بهذه المرحلة ، أملاً في تقوية أساسه العلميّ ؛ لأنَّ المعلِّم الضعيف في مادَّته العلميَّة يُلحق أذى كبيراً بتلاميذه ، ويُضيِّعُ عليهم فرصاً ذهبيَّة في حياتهم الدراسيَّة ، قد تحتاج إلى زمنٍ غيرِ قصيرٍ كي تُعوَّض ، وربَّما لا تُعوَّض أبداً . أضف إلى ذلك ما يلقاه منهم من عدم ثقة به، أو تلقّ لقوله بالقبول –ولو كان صواباً-، مع عدم الرغبة في سؤاله أو مناقشته ، بل قد يتطوّر الأمر إلى كراهيته ، وكراهية العلم والمدرسة .
وأمَّا المرحلة الثانية -وهي مرحلة الإعداد للتعليم- : ، فإنَّها امتدادٌ لمرحلة التعلُّم السابقة ، بل لا تكاد تُميِّز بينهما إلا في التسمية والشكل ، بيدَ أنَّ مرحلة التعلُّم السابقة مرحلةٌ عامَّة واسعة الأبواب ، يدخلها كثيرٌ من الطلبة ، أمَّا مرحلة الإعداد للتعليم فتمتاز بأنَّها ذات باب ضيِّق ومصفاة دقيقة، يكون اختيارهم وفق ميزانِ قسطٍ ، وانتقاءٍ دقيق .
فهذه المرحلة لا يدخلها إلا من اجتاز المرحلة السابقة بتقدير عامّ مرتفع ، ومعدَّلٍ في موادّ التخصّص يُماثله أو يفوقه .
ولِما في عملية التعليم من تربية عظيمة ، ومقاصد سامية ، وتوجيهٍ هادِفٍ مُستَمدٍّ من الدين الإسلامي ، كان لا بُدَّ أن نشترط في هذا الطالب الذي نُعدّه للتعليم في المستقبل شرطاً أخلاقيًّا ، هو في الحقيقة أعظمُ أهميَّة من الشرط العلميّ السابق ؛ لأنَّ الطالب المختار للإعداد في كليَّات المعلِّمين لا بُدَّ أن يكون على حظًّ موفورٍ من حميد الأخلاق ، وكريم السجايا ، ومستوى لائق بالمسلم الحقّ . وينبغي أن يُعتمد في ذلك على شهادة أمينة صادقة من مدير مدرسته الذي أشرف على تعليمه، ومن مُعلِّميه الذين درَّسوه وقتاً غير قصير ؛ فالطالب الذي كان يؤدِّي واجباته الدينيَّة طاعةً واحتساباً ، ويقوم بواجباته المدرسيَّة رغبة وصواباً ، وكان ذا مودَّة وإحسان مع معلِّميه وزملائه ؛ فلم يتمرَّد على نظام ، ولم يتأخَّر عن دوام ؛ مثلُ هذا الطالب أهلٌ لأن يكون معلِّماً صالحاً في المستقبل .
ولعلَّ أقرب الصفات الحميدة إلى مهنة التدريس ، وأوثقها صلة بالمعلِّم صفة التواضع، والتعاون ، والصبر على العمل . ولعلَّ أقبح الصفات ، وأشدّها تنافياً مع مهنة التدريس ، صفة الغرور ، والملل ، واللامبالاة .
ولن تجد معلِّماً ناجحاً صالحاً، إلا وجدته متواضعاً، يخفض جناحه لزملائه وتلاميذه ، حريصاً على أداء الواجب ، صبوراً على العمل ، لا يتلمَّس المعاذير في التقاعس عنه ، معواناً على الخير كلَّما سنحت فرصة للعون، سواءً أكان ذلك لرؤسائه ، أو لزملائه ، أو لتلاميذه .
ولن ترى معلِّماً خائباً غيرَ موفَّقٍ في تعليمه ، إلا رأيته مغروراً لا يتقبَّل نُصحـاً ، أو ملولاً لا يُطيق عملاً ، أو لا مبالياً ؛ لا يُبالي أحضَّر درسه أم لم يُحضِّره ، أفَهِمَ تلاميذه ما يقول لهم أم لم يفهموا ، أدخل على طلابه مع بَدْء الحصَّة أم بعد ربع ساعة ، أقام الطلاب بواجباتهم أم لم يقوموا ، بل تراه لا يهتمّ بشيء من ذلكم ولا يكترث له، ولا يعرف المسؤوليَّة كيف تكون، ومتى تكون ، وأين تكون .
فإذا شهد مدير المدرسة لهذا –المتعلِّم في مرحلته الثانية- بصفات حميدة تحلَّى بها ، وشـهد له بذلك معلِّموه ، نكون قد حققنا شرطاً ثانياً في القبول، انضمّ إلى مستواه ومعدّله العلميّ .
ويأتي هنا الشرط الثالث ، بل الصفة البالغة القيمة التي ينبغي أن يتحلَّى بها الطالب الذي نعدّه للتعليم في المستقبل ، والتي ينبغي علينا أن نوليها عناية عظيمة عند اختيار طلبة كليَّات المعلِّمين ، ألا وهي الرغبة الصادقة في التعليم ، على أن تكون رغبةً خالصة لوجه الله ، ليست لِما يتوهمه بعض النَّاس في هذه المهنة من سهولة العمل، وحلاوة العطل، والمستقبل السعيد، الذي يفتح الشاب بابَه بيمينه التي يحمل بها شهادَته العليا ؛ إذ صار أكثر الشباب –في عصرنا الحاضر-يتخذ التعليم مصدراً للعيش، لا رسالةً نبيلةً يجب أن تؤدَّى ، وصارت أكثر الدول تنظر إلى جامعاتها وكليّاتِها بمنظار احتياجاتها، وفي ضوء متطلّباتها. وكذا أكثر الشباب ينظر إلى البحث ، والعلم ، والدرس ، وسعة الاطّلاع ، والتخصُّص حسب الميول والاستعداد ، على أنَّها لافتات قديمة وُضِعَت –سابقاً- على أبواب الكليَّات والجامعات ، ثمَّ نُزِعَتْ وحلَّت محلَّها لافتات أُخرى صنعتها ظروفُ الحياة المعقَّدة ، شعاراتها المدوَّنة فيها –في الكثير والغالب- : المركز الأدبي- الوضع الاجتماعي- المردود الماديّ- أيّ الكليَّات أحسن مستقبلاً ؟ أيّ الجامعات أوفر ربحاً ؟ أيّ الأقسـام أسـعد حظًّـا ؟ أيّ الأعمال يُعجِّل بالسيارة الفارهة ، والبيت السعيد ؟!
فإذا وُجِدَت الرغبة الصادقة الخالصة في التعليم ، فسوف يجد صاحبها في هذه المهنة لذَّة ومتعة ، تُنسيه المتاعب ، وتُذلِّل له الصعاب ، وتُوقِد في صدره العزيمة ، فيدخل على تلاميذه ووجهه يطفح بالبِشر ، ويصدرُ عنهم وهو مطمئنّ الفؤاد . وبعكسه الذي لا يملك رغبة تحصيل العلم، والذي أخطأ الظنّ والتقدير في هذه المهنة ، فإنَّك تراه يُراوغ فيها كما تُراوغ الثعالب ، ويذهب إلى قاعات الدَّرس وهو يقتلع أقدامه من الأرض اقتلاعاً كأنَّما يُساق إلى الموت وهو ينظر .
والإنسان يتساءل عن جدوى هؤلاء وأمثالهم ؟ ولِمَ يشقى بهم تلاميذهم ؟ بل وتشقى بهم أمّتهم ؟ ويحملون أوزاراً مع أوزارهم يوم يقوم الأشهاد ؟!.
وإذا كنتُ قد اشترطتُ في الطالب الذي يُعدّ للتعليم –في المرحلة الثانية- أن يكون معدّله طيِّباً ، وصفاته حميدة ، ورغبته صادقة ، فإنِّي كذلك لست بناس أمراً رابعاً ذا أهميَّة عظمى ؛ وهو أن يكون ذا صحَّة جيدة ، ولسانٍ مبرَّأ من العيوب . وإذا كان زعماء السياسة ، وقادة الجماهير ، وخطباء المنابر لا يعرفون لهم سلاحاً أمضى من فصاحة اللسان، وسحر البيان ، فإنَّ المعلِّم أولى هؤلاء جميعاً بهذا السلاح ؛ فهو الأولى بطلاقة اللسان، وفصاحة اللهجة، ووضوح الأحرف، وقوَّة الحنجرة، ورنين أوتارها .
ولا غنى للمتعلِّم في هذه المرحلة عن دراسة علميَّة متخصِّصة ، ودراسة نظريَّة شاملة ، ودراسة مسلكيَّة في التربية وعلم النفس وطرق التدريس . يتبعها تدريبٌ عمليّ يسبق الخروج إلى المرحلة الثالثة –مرحلة العمل ومزاولة المهنة- .
ولَمَّا كانت الدراسة في هذه المرحلة ليست قادرة على تأهيل المعلِّم لتدريس كل مادَّة من موادّ المرحلة الابتدائيَّة ، وجب أن تقوم على شيء من التخصُّص؛ سواءً في الدين ، أو اللغة ، أو الرياضيَّات والعلوم ، على أن تكون مقصورةً على ما يحتاج إليه الطالب في تدريسه مستقبلاً ، دون إسراف أو إرهاق ؛ فمنهج اللغة العربية –مثلاً- يكون مقصوراً على دراسة القواعد، والقراءة، والنصوص، والتعبير، والإملاء، والخطّ.
1- فتكون مباحث القواعد التي تُدرَّس –مثلاً- هي المباحث المقررة في المرحلة الابتدائية ، ولكن على نطاق واسع ، وتطبيقات أدقّ .
2- وتكون القراءة جهريَّة في الكثير الغالب ؛ لأنَّها هي التي يحتاج إليها المعلِّم ويُعوِّل عليها في تدريسه .
3- وتكون دراسة النصوص قائمة على التحليل والتذوق البعيدين عن الصناعة ومصطلحات البلاغة ، مع حفظ كثيرٍ من هذه النصوص ، ليزداد الطالب تمكُّناً في اللغة ، وقدرةً على التعبير .
4- وتكون دراسة الإملاء دقيقة، وشاملة، وكثيرة التطبيقات ، وكافية لأن تغسل العار الذي تسيل به دفاتر التحضير .
5- ويكون تدريس الإنشاء قائماً على كثرة الكتابة وحسن التوجيه .
6- أمَّا النقد والبلاغة وتاريخ الأدب ونحو ذلك، فلا حاجة إلى دراستها في هذه المرحلة ؛ لأنَّ المعلِّم لن يحتاج إلى تدريسها لطلاب المرحلة الابتدائية .
وأرى أن نسير على هذا النهج وهذا المستوى في سائر الموادّ العلميَّة والنظريَّة والمسلكيَّة ؛ فما يحتاج إليه الطالب معلِّم المستقبل، نُقرِّره عليه، ونُدرِّسه له، وما لا يحتاج إليه فلا داعي لأن نُرهقه به ، أو نُضيِّع عليه فرصة التوسُّع والتعمُّق في موادّ أُخرى مفيدة لـه ؛ لأنَّ المناهج إنَّما تُوضع على أساس أن يتسع لها الوقت ، وأن تُهضم وتُستوعب ، وأن ينتفع بها الطالب في مهنة المستقبل ، ويصطحبها معه بعد تخرُّجه .
وبتخرُّج الطالب من كليَّة المعلمين تنتهي المرحلة الثانية –وهي مرحلة الإعداد- ، وتبدأ المرحلة التالية –وهي مرحلة العمل- .
المرحلة الثالثة : التي تبدأ بمزاولة المعلِّم عملَه ، وتجريب ما تعلَّمه . والذين يظنُّون أنَّ مرحلة الإعداد قد انتهت بانتهاء الدراسة في كليَّات المعلِّمين هم أناس يتعجَّلون ؛ فدراسة الطالب في الكليَّة دراسة نظريَّة لم تخضع للتجربة الصادقة ولا التمحيص الدقيق. ودروس التطبيق التي قام بها في أثناء دراسته دروس قليلة غلب عليها طابع التصنُّع ، وسادها جوّ التكلُّف ، وكذا أسابيع التدريب التي خضع لها قُبيل تخرُّجه قليلة لا تُكسبه الخبرة الكافية ، ولا تُشعره بالمسؤوليَّة الكاملة .
لكنْ حين يُصبح الطالب معلِّماً رسميًّا مسؤولاً ؛ يُلقي محاضراته وهو يعلم أنَّه مسؤول عمَّا يُعلِّم، وعمَّن يُعلِّم، وتلاميذه يعرفون منه ذلك ؛ فهو يعيش حياة جديدة ، ويمرّ بتجارب جديدة ، وتُواجهه صعوبات مختلفة ، ومفاجآت لم تكن تخطر على باله ، وحينئذٍ يلتفت يمنة ويسرة علَّه يجد من يأخذ بيده ، وينصح له ، ويُساعده على تجاوز ما يمرّ به .
وهنا تبرز أهميَّة متابعته من قبل كليَّته –عن طريق لجنة الخرِّيجين- ، أو إدارته التعليميَّة، عن طريق زيارات سريعة تستمرّ إلى أن يُصبح التدريس عمليَّةً طبيعيَّةً لا تكلُّف فيها ولا تخوُّف، وتصبح خطوات الدرس في دفاتر التحضير ، وفي قاعات التدريس سليمة من الاضطراب ، بعيدة عن العثار . ووقتها يمكن أن نقول: قد تمّ إعداده بصورة مبدئيَّة .
ولكنْ مخطئ –أيضاً- من ظنَّ أنَّ مرحلة الإعداد قد توقَّفت عند هذا الحدّ، إذ المعلِّم الصالح لا يرضى أن يتوقَّف عند هذا الحدّ، أو يقف عند هذه الغاية ؛ إذ كيف يرضى أن يقف في أول الطريق ، وكيف يقنع بأن يضع رجليه على أولى درجات السلَّم ، ولا زال الطريق أمامه طويلاً ، ولا زال عند سفح الجبل ولَمَّا يصل إلى قمته بعد ؛ فالمعلِّم الصالح يبذل ما يستطيع من مال وجهد ووقت في سبيل تعميق مادَّته العلميَّة ، وتوسيع ثقافته العامَّة ، والرقي بنفسه إلى مستوى أفضل ، وتجديد معلوماته المسلكيَّة . وهو يربأ بنفسه أن يقف عند هذا المستوى ، فتراه يقوم بتجارب متعدِّدة في التدريس إلى أن يصل إلى ما هو أجدى وأنجح .
وإلى جانب هذا ، نجد نوعيَّة أخرى قنعت بما نالته أيام الدراسة ، فاستعبدتها طريقة واحدة من طرق التدريس، فصدئت على مرّ الأيام ، وعلاها الغبار، وتراكم عليها التراب، فأضاعت نفسها، وأضاعت تلاميذها، وأضاعت الأمانات التي حملتها، وصدق عليها قول الحقّ سبحانه وتعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب:72] .
ومن هنا لزم وزارة التربية والتعليم –وأخصّ قسم التوجيه التربوي فيها- ألا تترك المعلِّمين وشأنهم ، بل عليها أن تدعوهم إلى دورات صيفيَّة تعرض لهم فيها ما لدى المختصين من جديد ومفيد ، سواء في شؤون العلم والتعليم ، أو في طرق التدريس ، أو في التربية وعلم النفس . وعليها أيضاً أن تستمع إلى آرائهم في المناهج المقرَّرة ، وفي الكتب المدرسيَّة ، فهم أدرى الناس وأعلمهم بما فيها من طول أو ضعف ، أو صعوبة ، أو ارتفاع عن المستوى ، أو عدم صـلاحيَّة ، وعليها أن تنظر إلى آرائهم بعين الاعتبار إذا رأت فيها الصواب ، ولمست فيها صدق التجربة .
فالمعلِّم –كما يقولون- مطبوعٌ لا مصنوعٌ . والطلبة ينشدون في أساتذتهم –قبل كلّ شيء- القدوة والقوَّة . فإذا اهتزّ معنى القدوة أو القوّة -في شخصيَّة المدرّس ، أو في مادّته ، أو في معاملته- ، في نفوس الطلبة ، حدَثَتِ الهُوَّة ، وبَعُدَ القريب ، ولربَّما سُدَّ الطريق .
والأساتذة بشرٌ من البشر ، يختلفون ذكاء ، وعلماً ، واستعداداً .
ولكنّ رحمة الله الوهَّاب –التي وسعت كلّ شيء- ، تتجلَّى أسرارُها في هذه المهنة العظيمة ؛ مهنة التربية والتعليم .
ومن ذلك : أنَّ من أقبل عليها بقلبه ، وعقله ، مستعيناً بالله ، مؤمناً بدوره وأهمّيته، راضياً به، سعيداً بعمله، مخلصاً فيه ، فتحَ الله له ، وفتح به ، ومنحه ، ومنح به .
وهذا شأن الإخلاص لله عز وجل في أداء الأعمــال ؛ يقلب العــادات إلى عبادات ، ويُحقِّق الغاية التي وُجِدَ من أجلها الإنسان على هذه الدنيا : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [الذاريات : 56]؛ إذ الحصر المذكور في هذه الآية حقيقيّ ، وليس إضافيًّا ، ولا يُنافي ما هو واقع من بعض البشر ، من كونهم لا يعبدون الله عز وجل العبادةَ الاختياريَّة الشرعيَّة ؛ كالوثنيِّين ، واليهود ، والشيوعيِّين ، والنصارى . كما أنَّه لا يُنافي وجود عُصاةٍ من المسلمين يخرجون عن عبادة الله في بعض تصرُّفاتهم، ولا ما يقع من المسلمين من الأعمال التي لا يقصدون بها وجه الله عز وجل من المباحات ؛ فالله سبحانه وتعالى -كما أخبر في هذه الآية- يُريد من عباده –شرعاً- أن يكون نشاطهم كلُّه ابتغاء وجهه سبحانه وتعالى ؛ سواء أكان فعلاً –كالواجب والمندوب والمباح- ، أو تركاً –كترك المحرَّم والمكروه- ، وهذه هي الأحكام الخمسة التي لا تخرج أفعال الإنسان وتروكه عنها .
فإذا ابتغى الإنسان بعمله كلِّه وجه الله ، فقد حقَّق معنى قوله عز وجل : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [الذاريات : 56] تحقيقاً كاملاً، وإن قصَّر في شيءٍ من ذلك ، فقد قصَّر في شيءٍ خلقه الله من أجله .
ونصيحتي أن يقوم بالتدريس في كليَّات المعلِّمين أساتذة ذوو اختصاص علميّ وتجربة ، وأن يكونوا على حظّ عظيم من الثقافة الإسلاميَّة ، والأخلاق الكريمة ، والتمسُّك بالدين ، بحيث يكونون قدوة صالحة لطلابهم في السلوك والقول والعمل ؛ لأنَّ طالب كليَّة المعلِّمين إذا لم يجد في أساتذته الكبار قدوة قيمة صالحة ، فمن الصعب أن يكون هذا الطالب في المستقبل قدوة صالحة لتلاميذه الصغار .
ومن المُلاحـظ أنَّ تعـاليـم الإسـلام في أكثر بلاد المسلمين تُلقَّن من قِبـل بعض المُعلِّميـن بأسـاليب غير منهجيَّة ، بل وضعيفـة –أحياناً-، لا تحمل حقيقةً حيَّة تُرغِّب في الإسلام ، أو تُلقي عِبئاً ومسؤوليَّة على معتنقيه ، فكان من السهل اعتناقُ هذا الإسلام ، مع بقاء إنسان العصر على ماديَّته .
وهذه الماديَّة المهيمنة لا يُرجى موتُها ، ولا تطول مدَّة الإسلام معها ؛ لأنَّها قد تغلَّبت على فكر صاحبها ، فظنَّ أنَّ هذا الدين لا يُكلِّفه إلا أن يُسجِّل اسمَه في سجله ، ليزيد في عدد ألف وثلاثمائة مليون مسلم وكفى ، دون أن يُغيِّر شيئاً من حياته ، أو يعمل على صبغها بالصبغة الإسلاميَّة .
بينما لو علم هذا الإنسان حقيقةَ الإسلام، لما أقدمَ عليه إلا راغباً وعاملاً .
وكثيرٌ من المبلِّغين للإسلام، قد يُؤدُّونه بهذا المنطق المستسلم، وتلك الأساليب المرغِّبة والمسهِّلة، بل المهمِّشة لمسؤوليَّات المسلم . وهذا قد يُوفِّر أعداداً كبيرة من المسلمين تقبل الإسلام الشكليّ، دون تقديرٍ منهم لمسؤوليَّاته الحقيقيَّة .
ولا ريب أنَّ هذا الصنيع شكلٌ من أشكال الإكراه في الدين ، وهو يتعارض مع قول الحقّ سبحانه وتعالى : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة 256] .
فالإسلام حين نهى عن الإكراه ، إنَّما نهى عنه لئلا يكون بين المسلمين من لا يُقدِّر مسؤوليَّاته .
ورسولنا ص لم يتنازل عن شيءٍ مِمَّا جاء به ، ولو تنازل عن ميزةٍ واحدةٍ من ميزات الإسلام ، لَما لقي من قومه عنفاً وشدَّةً .
والمدرسـة ليسـت داراً لإزالة الأميَّة ، وليس تلاميذها أوعية فارغة تُملأ بالمعلومات، بل المدرسة مسجدٌ يهدي للتي هي أقوم، وأمّ تحنو وتُرضِع العلم ، وأبٌ يُربِّي باللسـان والقدوة الصـالحة ، وهي في الوقت ذاته عيادة نفسيَّة تكشـف الميول والغرائز ، وتُشبعها بما طاب وأفاد ، ومصنعُ رجالٍ يبني الشخصيَّات على أساس أن يعتمد التلميذ على نفسه بعد الاعتماد على الله ، وأن يُشارك في عمليَّة التعليم مشاركةً إيجابيَّة، لا أن يقف منها موقف المستقبِل المتَّكِل على المعلِّم في كلِّ شيء .
نسأل الله أن يُبصِّرنا بعيوبنا ، وأن يقيَنا شرور أنفسنا ، إنَّه جوادٌ كريمٌ ، والحمد لله رب العالمين .

بواسطة : الدكتور/ عبدالقادر بن محمد عطا صوفي
 0  0  203
التعليقات ( 0 )

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.