• ×

10:06 صباحًا , الجمعة 8 ربيع الأول 1440 / 16 نوفمبر 2018

- آخر تحديث 06-01-1440

موقع الدكتور غيثان

نَشْأَةُ الكَوْنِ بينَ النَّظَرِيَّةِ العِلْمِيَّةِ والقُرْآنِ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
نَشْأَةُ الكَوْنِ بينَ النَّظَرِيَّةِ العِلْمِيَّةِ والقُرْآنِ
بقلم الدكتور/ علي محمّد علي عيد جابر
(قسم العلوم-شعبة الفيزياء- بالكليَّة )

image
يعتقد الكثير أن الكون هو ما نرى من نجوم وكواكب والأقمار التي تدور حولها, أو هو النجوم التي نراها في السماء كل ليلة. إن الكون أعظم من ذلك وأكبر وستدرك ذلك عندما تعلم أن شمسنا ما هي إلا نجم واحد من آلاف الملايين من النجوم في مجرتنا والتي تسمى درب التبانة والتي يبلغ قطرها 30000 بارسيك (البارسيك وحدة فلكية = 3,262 سنة ضوئية, والسنة الضوئية تساوي 9.5 تريليون كيلومتر). وتقع الشمس والمجموعة الشمسية بما فيها الأرض التي نعيش عليها على بعد 10000 بارسيك من مركز المجرة. وستدرك قدرة الخالق العظيم عندما تعلم أن هذه المجرة ما هي إلا نقطة ماء في محيط أو حبة رمل في صحراء الكرة الأرضية. فمجرتنا هي جزء من عنقود مجري يسمى المجموعة المحلية يبلغ قطره عشرات الملايين من السنين الضوئية،وهي بالتالي جزء من عناقيد مجرية أكبر. ربما يرى البعض أن الفلكيين يستطيعون رؤية هذا الكون الفسيح عبر تلسكوباتهم الضوئية أو الراديوية أو التي وضعت فوق أقمار صناعية خارج الكرة الأرضية, لا بل لم يستطع الفلكيون أو غيرهم سوى رؤية ما يُعتَقد أنه جزء ضئيل من هذا الكون، وذلك لأن لكل عين ترى أفق لا تستطيع رؤية ما بعده. وهذا يسري على جميع الأجهزة التي يستخدمها الفلكيون وهو ما يسمى بأفق الحدث, بل إن النظريات العلمية الموجودة أيضا لها أفق يسمى أفق الجسيمات. وإن مانراه إلى الآن برغم التكنولوجيا المتقدمة هو جزء قليل من السماء الدنيا يقدر بقطر يبلغ 36 ألف مليون سنة ضوئية, وصدق الله العظيم إذ يقول (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)) [الحاقة38].
وعندما تنظر في الكون تستشعر عظمة الخالق حين ترى ملايين المجرات فيها مليارات النجوم التي تختلف في أعمارها وفي أاحجامها ودرجات حرارتها ودرجات لمعانها وفي تركيبها الكيميائي وفي دورات حياتها فمنها النجوم العادية المفردة والمزدوجة والعماليق الحمر والنجوم الزرقاء والقزمة البيضاء والبنية والسوداء والمتغيرة ومنها المستعرة وفوق المستعرة والنجوم النيوترونية والنابضة وغير النابضة ومنها النجوم الخانســــــة الكانســــة (الثقوب السوداء) , -ولنا معها وقفة في مقال آخر-.
image
وغيرها مما يتخلق باستمرار من الدخان الكوني المسمي بالسدم الغبارية. ولهذه النجوم دورات حياة تبدأ بالميلاد داخل السدم ثم الطفولة والشباب والكهولة والموت بالانفجار والعودة مرة أخرى إلى مادة الدخان الكوني.
image
وكل مانراه في صفحة السماء هو جزء من السماء الدنيا التي وصفها الخالق تبارك وتعالي بقولة : (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) [الملك 5]. ويضم الكون المنظور حوالي المئة ألف مليون مجرة وكل منها تحوي على الأقل مئة ألف مليون نجم وكل هذا لايشكل سوى 10% من الكتلة المفترضة للكون. وعند إضافة مادة ما بين النجوم ومادة ما بين المجرات والأشعة الكونية تصل كتلة الكون إلى 25 % من كتلة الكون الحقيقي أما الباقي فتعود إلى مايسمى المادة السوداء أو القاتمة وهي معتمة لايمكن رؤيتها . وكما يقول بعض العلماء هي المادة البدائية (الأولية) التي خلق منها الكون. وبذلك ندرك عظمة الخالق وصدق الله العظيم حيث قال : (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [غافر 57], ومن هنا نتساءل كيف خلق الله هذا الكون وصوره ـ حيث قال: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [العنكبوت 20], ونحن هنا نحاول فهم عظمة الخالق في خلقه ولا نحاول إثبات صحة القرآن وهو صحيح وثابت لا يتغير وهو هداية للناس في كل مكان وزمان وسيجدون فيه ما يتطلبه كل عصر, بينما النظريات العلمية متغيرة قابلة للصواب والخطأ وليس هناك نظرية كاملة تحكم كل الظواهر الموجودة والتي سوف نجدها مستقبلا. ولكننا من وقت لآخر نحصل على نظرية تشكك فيما قبلها وتحاول إثبات الجديد وتكون عاجزة عن الإجابة عن كل التساؤلات. والنظرية تكون جيدة إذا كانت تفي بمطلبين اثنين:
يجب أن توصف توصيفا مضبوطا طائفة كثيرة من المشاهدات على أساس من نموذج يحوي فحسب عناصر تعسفية معدودة . ويجب أن تضع تنبؤات محددة عن نتائج المشاهدات في المستقبل. وأي نظرية فيزيقية هي دائما مؤقتة بمعنى إنها فرض وحسب, فإنك لا تستطيع قط أن تتيقن من أنه في المرة التالية لن تتناقض النتيجة مع النظرية، وأنَّ النظرية الجيدة تتميز بحقيقة أنها تضع عددا من التنبؤات يمكن من حيث المبدأ إثباتها أو دحضها بالمشاهدة .
وفي المرات التي تتفق التجربة مع التنبؤات فإن النظرية تبقى وتزيد من ثقتنا فيها وإن حدث أن وجدت مشاهدة جديدة متعارضة فعلينا أن نعدِّل من النظرية أو نتركها .
ونحن نرى أنه منذ خلق الإنسان وإلى الآن وهو يبحث عن ماهية هذا الكون وكيف خلق، ويوجد العديد من النظريات والنماذج الكونية لتفسير حركة الكون وبدايته ويتساءل البعض هل الكون له بداية ونهاية وهل له حدود مكانية معينة.
ولقد بدأ تفسير الكون بالعديد من القصص حول أن الكون محمول على ظهر سلحفاة, و أخرى تقول إن الكون كله داخل الكرة الأرضية، وغيرها من الأساطير القديمة . وعندما نتناول ذلك الموضوع من وجهة نظر العلم الحديث نجد أن هناك نماذج عديدة لدراسة الكون بدأت بعد ظهور نظرية النسبية العامة لاينشتاين وكلها تعتمد على مبادئ هذه النظرية.
وأهم هذه النظريات : نظرية استقرار المجال: وهي أنه أثناء تحرك المجرات مبتعدة إحداها عن الأخرى تتكون باستمرار مجرات جديدة في الفراغات التي بينها وذلك من مادة جديدة تخلق باستمرار وهكذا فإن الكون سيبدو تقريبا متماثلا في كل الأوقات وعند كل نقاط المكان. ولذلك تم تعديل النظرية النسبية بحيث تسمح بخلق متواصل للمادة وهو ما يسمى أحيانا بالثابت الإلهي في هذه النظرية إلا ان المعدل المستخدم هو من البطئ بحيث إنه لا يتعارض والتجربة.
ولقد تنبأت بأن عدد المجرات أو المادة المماثلة في أي حجم معين في الفضاء ينبغي أن يكون نفس العدد في أي مكان وأي زمان تنظر فيه للكون. ولكن مسح الفضاء الخارجي بواسطة الموجات الراديوية بينت أنَّ معظم مصادر الراديو لابد وأن تقع خارج مجرتنا وأنه يوجد من المصادر الضعيفة ما هو أكثر من المصادر القوية وأن المصادر القوية هي الأقرب من المصادر الضعيفة وهذا يعني أننا في المركز من منطقة هائلة من الكون المصادر فيها أقل من أي مكان آخر . وبذلك تتناقض التنبؤات مع المشاهدة.
وبما أن هذه النظرية تقول بأن الكون ساكن وهو لا نهائي في الزمان والمكان, فهي تؤكد فكرة أن المادة أزلية والكون أزلي وهي الفكرة السائدة لدى الملحدين عن عدم وجود خالق لهذا الكون وأنه لا يمكن خلق المادة من العدم كما لا يمكن إفناء المادة. على الرغم من أن أبسط المشاهدات الفلكية وهي : أن مادة الشمس لو كانت أزلية لما كانت الشمس تشع حتى الآن , تضحض هذا الادعاء إلا أن بعضهم ما زال يدافع عن هذه النظرية. نظرية الانفجار الكبير :
image
كيف بدأ الكون؟ يقول بعض علماء الفلك بأن الكون بدأ بانفجار كبير وعند حدوث هذا الانفجار كانت تحكم الكون أربع قوى تفككت فيما بعد ، وهي قوة الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والقوية والأفضل هنا أن نسميها مجالات بدلا من قوى. وتلك القوى هي التي تشغل بال معظم علماء الفيزياء والفلك لتوحيدها بشتى الطرق ولنا فيها وقفة في مقال آخر حيث إنها تعد مجال تخصصي ولي فيها وجهة نظر سوف نعرضها فيما بعد.
إن اختلاف هذه الأجرام السماوية من حيث التركيب والنوع هي من إبداع الله ومن مصدر واحد, وإن الخلق عن طريق نقطة واحدة هي من معجزاته وعند انفجار هذه النقطة تكونت سحابة من الدخان تكون منها ما نراه الآن من مجرات ونجوم وكواكب وغير ذلك.
وقد اشتمل القرآن الكريم على آيات كثيرة تتحدث عن نشأة الكون وتطوره، منها قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30]. ومعنى رتقًا: الجمع واللم ؛ أي كانتا جسمًا واحدًا، ففتقناهما: الانتشار. وقوله (اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)) [فصلت:11، 12]. و قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)) [الملك:3،4].
image
والنظرية الاقرب لهذا التفسير هي نظرية الانفجار الكبير. فقبل بدء الكون لم يكن للزمان وجود وبدأ منذ لحظة الانفجار.
فكما قال الإمام الغزالي: إن الكون حادث وإنه لم يكن قبله زمان, فالزمان والمكان بدأ بعد خلق الكون لأن الزمن مرتبط بالحركة. حيث كان الكون صغيرا بما لا نهاية لصغره وكثيفا كثافة لا متناهية, ولذلك يفترض أن يكون الكون المبكر بالغ السخونة والكثافة وأنه كان يتوهج بالحرارة حتى البياض وأن الإشعاع ينبغي أن يكون باقيا فيما حولنا إلا أن حرارته قد هبطت إلى درجات معدودة تحسب فوق الصفر المطلق (- 273°م). وأيضا تنبأت النظرية بأن الكون يتمدد منذ لحظة الانفجار وحتى الآن ويعني ذلك أن الضوء ينبغي أن يكون ذا إزاحة حمراء إلى حد عظيم بحيث إنه سيظهر لنا الآن كإشعاع من موجات الميكروويف (وفكرة الكون المتمدد غير الساكن نشأت مع صاحب نظرية النسبية اينشتاين حتى إنه أسماه الخطأ الأكبر في حياتي وهو ما يسمى بالثابت الكوني) وكانت من أهم تنبؤات العصر الحديث و لقد تحققت على يد هابل في 1929 بمشاهد تعد علامة طريق وهي إنك حيثما وجهت بصرك تجد المجرات البعيدة تتحرك بسرعة بعيدا عنا وتعني أن الكون يتمدد ويعني ذلك أن الأجسام كانت في الأوقات السابقة أكثر اقترابا معا أي أنها كانت منذ عشرين ألف مليون سنة كانت كلها في نفس المكان بالضبط وبالتالي فإن كثافة الكون وقتها كانت لا متناهية.
وفي 1965 تم اكتشاف موجات الإشعاع الخلفية (الميكروويف) وحرارتها تعادل 2,7° كلفن. وهذه الموجات تشبة موجات الضوء و لكن ترددها عشرة آلاف مليون موجة في الثانية فقط.
image
ويعتقد العلماء إن الكون وقت الانفجار نفسه يكون حجمه صفرا وبهذا يكون ساخنا على نحو لا متناه ولكن إذ يتمدد الكون فإن حرارة الإشعاع تقل. وبعد الانفجار بثانية واحدة تكون الحرارة قد هبطت لما يقرب من عشرة آلاف مليون درجة وهي درجات الحرارة الموجودة في انفجارات القنبلة الهيدروجينية ويكون ما يحتوي عليه الكون عندئذ هو في الغالب كواركات وبروتونات ونيوترونات وفوتونات ومضادات الجسيمات وبعد ذلك ومع استمرار الكون في التمدد والحرارة في الانخفاض, وبعد مائة ثانية من الانفجار تصبح الحرارة ألف مليون درجة وهي درجة حرارة باطن النجم ويتكون بذلك عناصر أخرى غير الهليوم. وبعد ساعات من الانفجار يتوقف إنتاج الهليوم والعناصر الأخرى. وبعد ذلك يستمر الكون في التمدد وتتكون السدم والمجرات والنجوم والكواكب. وتتوالى الأحداث ونرى أن ماحدث في الثواني الأولى أكثر مما حدث في مليارات السنوات التالية.

وسوف نلخص نموذج خلق الكون طبقا لنظرية الانفجار الكبير كالتالي:
بدأ الكون في 10-43 من الثانية عند قطر 10-33 سم في التضخم بكثافة متناهية وتمدد مستمر مع برودة في درجة الحرارة وحدث ترابط بين النيوترونات والبروتونات عند 10-11 من الثانية و بذلك اختفت المجالات الأربعة التي كانت تحكم الكون وتترك المجال للجسيمات بالتفكك.
image
وعند الزمن 10-9 ثانية أصبحت درجة الحرارة ( 10 أس 15) كلفن وأصبحت الجسيمات المسيطرة هي الكواركات واللبتونات والفوتونات وبعد ذلك ومع استمرار برودة الكون اتحدت الكواركات والنيوترونات والتي بدورها اتحدت لتشكيل نوى الذرات فيما بعد. وعند درجة حرارة (10 أس 9) كلفن والزمن بضعة دقائق بردت البروتونات والنيوترونات بما فيه الكفاية وشكلا زوجا يدعى الديتريوم وتجمعا معا لتكوين نوى الهيليوم. وكل ذلك حدث في الثلاث دقائق الأولى من بداية الكون ثم بدأت الامور تسير ببطء شديد وظل الكون غارقا في الإشعاعات لعشرات الملايين من السنين . بعد الدقائق الثلاث الأولى تكونت النوى وتولدت الذرات الأولى بعد ثلاثمائة ألف سنة وانخفضت درجة الحرارة إلى 3000 كلفن مما سمح لذرات الهيدروجين بالظهور والبقاء. وعند درجة الحرارة هذه كان من الممكن للنواة أن تمسك بالالكترون لتكوين الذرة حيث إن درجات الحرارة العالية تمنع تكوين الذرات. ثم تجمعت الذرات مكونة سدم غازية تطورت بعد ذلك لتصبح نجوما وأصبح الضوء ينطلق لسنوات ضوئية دون امتصاص. حيث إنه في السابق لم تكن الرؤية ممكنة نتيجة امتصاص الضوء وعدم رصده لأن الكون كان شبيها بضباب كثيف. وتولدت العناصر الثقيلة بعد مليارات السنين نتيجة انصهار ذرات الهيدروجين والهيليوم داخل السدم الغبارية. ثم تشكلت المجرات من مجموعة النجوم وبعد مرور السنين تكونت الكواكب من تلك العناصر الثقيلة.
ولقد تنبأت هذه النظرية بأربعة تنبؤات تم تأكيدها بالأرصاد وهي :
1- الكون يكبر ويتسع والمجرات تتباعد بسرعة متزايدة كلما ابتعدت عن بعضها البعض, وهذا يؤكد فرضية أنها كانت مجتمعة في مكان واحد سابقا ويقدر عمرها بحوالي 15 مليار سنة ، وهو ما أكده هابل في سنة 1929 .
2- ربع كتلة الكون الكلية من الهيليوم الذي تشكل أثناء الدقائق الأولى لخلق الكون وهي الكمية التي تتفق مع الأرصاد.
3- وجود أشعة الخلفية الكونية وهي الأشعة المتبقية منذ الانفجار الكبير إلى الآن وتقدر بحوالي 3 درجات كلفن . وهو ما تم اكتشافه سنة 1965 بواسطة بنزياس وولسون وتؤكد أن الإشعاع والمادة كانتا في عهد من العهود في حالة توازن ثم تغلبت المادة على الإشعاع عند نقطة تحول معينة.
4- عمر النجوم القديمة يتراوح ما بين 12 – 15 مليار سنة. ولقد تم العثور على غيوم عمرها 15 مليار سنة وأن عمر الارض 13,5 مليار سنة.
فبعد الأدلة العلمية التي ساندت نظرية الانفجار الكبير نجد أن بعض أنصار نظرية الاستقرار يعترفون بفشل نظريتهم, فكما يقول الفيلسوف أنطوني فلوف إن نموذج الانفجار الكبير شيء محرج جدا بالنسبة للملحدين لأن العلم أثبت فكرة دافعت الكتب الدينية وهي فكرة أن للكون بداية. إن طبيعة الانفجار الكبير يضيف دليلا على أن الكون خلق بتقدير دقيق و نظام رائع. وذلك لأن أي انفجار يؤدي إلى تخريب وهدم خاصة انفجار كبير كهذا لكننا نرى الكون منسق ومنظم بعكس ما نتوقعه من انفجار عشوائي. ولذلك قال فريد هويل - أثناء محاضرة له بتريستا أثناء دراستي بها- نحن نعلم أن كل انفجار يشتت المادة ويبعثرها دون نظام ولكن الانفجار الكبير قام بعكس ذلك بشكل محفوف بالأسرار ؛ إذ قام بجمع المادة معا لتشكيل الكون الذي نراه.
وأيضا يقول ستيفن هاوكينج إن سرعة توسع الكون سرعة حرجة إلى درجة أنها لو كانت في الثانية الأولى من الانفجار أقل من جزء واحد من مليون مليار جزء لانهار الكون حول نفسه قبل أن يصل إلى وضعه الحالي. وهذا ما جعل بول ديفيز يقول إنه من الصعب جدا إنكار أن قوة عاقلة ومدركة قامت بإنشاء هذا الكون المستند إلى حسابات دقيقة لأن التغيرات الرقمية الحساسة والموجودة في أسس الموازنات في الكون دليل قوي على وجود تصميم دقيق في نطاق الكون.
و يقول جورج كيرنشتاين إنه كلما دققنا الأدلة واجهتنا على الدوام الحقيقة نفسها وهي أن هناك قوة عاقلة فوق الطبيعة تدخلت في نشوء الكون.
ونحن نردد ما قاله الله في محكم آياته: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [إبراهيم 10], (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت 53].
وهناك نماذج تدرس تمدد الكون وأخرى انكماش الكون بعد تمدده والعودة إلى نقطة الانسحاق الكبير وأخرى تقول إن الكون سوف يتمدد إلى ما لا نهاية. وهناك العديد من التساؤلات التي مازال علماء الكون يحاولون تفسيرها ، ومن أهمها هل الكون له نهاية وهل سيستمر هكذا في التمدد إلى الأبد. أم أنه سوف ينكمش على نفسه ويعود لنقطة البدء, وهو ما نسميه الانسحاق الكبير.
ومن هذه النماذج الكونية العديدة نموذج فريدمان والذي يعطي ثلاثة احتمالات للكون وهي: الكون المفتوح والمستمر والمغلق. فإن كان التوسع الكوني بالمقدار الذي تستطيع به المجرات الهرب من قوة الجاذبية فإن التوسع سيستمر دون توقف وذا يسمى بنموذج الكون المفتوح أو المستمر, أما إن كانت سرعة الكون أقل من سرعة الهروب فإن توسع الكون سيقف بعد مدة ويبدأ الكون في الانكماش مرة أخرى وهذا يسمى نموذج الكون المغلق. فسرعة الهروب من الجاذبية تعتمد على كثافة الكون, فإذا كانت كثافة الكون الحرجة تبلغ 7,5 ×10-30جم/سم3 لأمكن للجاذبية التغلب على قوة توسع الكون. ولكن كما ذكرنا سابقًا نحن لا نعلم سوى25% من كتلة الكون المنظور.
وتعني هذه النماذج أنه في حالة عدم تغلب الجاذبية على التوسع الكوني فسيبقى الكون في توسع دائم وإلى الأبد . ولكن هذا الكون سوف يستنفذ طاقته مع مرور الوقت والتوسع، وبذلك يمثل مقبرة هائلة متسعة لا أثر للحياة فيها. أو تستطيع الجاذبية التغلب على التوسع الكوني ويبدأ الكون في الترتجع إلى الوراء وينكمش على نفسه بفعل الجاذبية حتى يرجع ويتركز في نقطة واحدة صغيرة وهذا يعني فناء الكون قبل الوصول إلى نقطة الصفر بوقت كبير وتسمى هذه العملية بعملية الانسحاق الكبير . إذًا تعددت الأسباب والموت واحد. وتؤكد هذه النماذج على وجود نهاية للكون كما أكد نموذج الكون الكبير على وجود بداية للكون .
و لكن البعض منا لا يؤمنون بوجود بداية ونهاية للكون ، لذلك اقترحوا نظرية اخرى تسمى نظرية النموذج المتذبذب وهي تقول إن الكون يتسع منذ الأزل (الانفجار الكبير) ثم ينكمش على نفسه ثم يتسع مرة أخرى بانفجار كبير آخر ........ وهكذا. إذًا فهناك كون أزلي لا بداية ولا نهاية له. ولكن هذا النموذج فشل بسرعة لأنه لم يستطع الإجابة على أبسط القوانين الفيزيقية وهي الانتروبيا التي تقول بأنه أثناء عملية التحول هناك قسم من الطاقة يتحول إلى شكل غير قابل للاستفادة منه. وأثناء عملية الانكماش لا توجد هناك طاقة قابلة للاستفادة منها . إذًا لا توجد طاقة يمكنها القيام بعملية تحوّل .
وقد طرح القرآن الكريم عملية الاتساع هذه بقوله تعالى ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) [الذريات:47].
ونهاية الكون بما يسمى الانسحاق الكبير في قوله تعالى (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:104].
وهكذا يتضح أن من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم الإعجاز العلمي وخاصة في علم الكون ونؤكد هنا أن الله سبحانه وتعالى ما جاء بهذا النوع من الإعجاز إلا ليؤكد عظمة القرآن ويؤكد صدق رسالة رسوله محمد ص.

وإلى هنا لا يسعنا إلا أن نقول : (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه114] .


المراجع:
1- النسبية العامة، فوستر ونايتنجل، 1995 دار شبرنجر للنشر.
2- الموسوعة الفلكية، فايجرت وتسمرمان، ترجمة د.عبدالقوي ذكي عياد، 2002 الهيئة المصرية العامة للكتاب.
3- مشاكل الثابت الكوني، موفات، gr-qc 0312115 معهد الفيزياء النظرية- ووترلو- كندا.
4- مشروع COBE-HUBBLE ناسا- أمريكا.

بواسطة : الدكتور/ علي محمّد علي عيد جابر
 0  0  209
التعليقات ( 0 )

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.