• ×

05:24 صباحًا , الخميس 15 ذو القعدة 1440 / 18 يوليو 2019

- آخر تحديث 06-10-1440

موقع الدكتور غيثان

أدب المشرف على الرسائل الجامعية

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أدب المشرف على الرسائل الجامعية
عباس علي السوسوة
أستاذ اللسانيات
جامعة الملك خالد بأبها
image

كتبنا من قبل "في أدب مناقشة الرسائل الجامعية"، و كان له صدى طيب عند المشتغلين بالتدريس الجامعي، والمهتمين من طلاب الدراسات العليا. والآن نكتب في موضوع له صلة وثيقة بالمناقشة، بل هو قبل المناقشة كما لا يخفى،وهو أدب المشرف على الرسائل الجامعية، نقصد السلوكيات التي ينبغي أن يتحلى بها. ولا شك أن هذا الموضوع/هذه السلوكيات لا تنفصم عن الطلاب و لا عن الهيئات الإدارية في كل جامعة؛ من لجنة دراسات عليا إلى مجلس قسم، فمجلس كلية، فمجلس دراسات عليا. وقد تختلف في تكوينها واختصاصاتها الدقيقة من جامعة لأخرى، بل إن للدكاترة وما عودوا أنفسهم عليه وحالاتهم النفسية أثرا في قبول موضوع أو رفضه، فقد يُرد موضوع لأن الناظرين فيه لم يفهموه حق الفهم، أو لبعدهم عن التخصص الدقيق الذي يريد الطالب أن يبحث فيه، أو لأن ما في أدمغة اللجنة مختلف عن فهم الطالب ومشرفه، بل قد تُناقش الخطة وكأنها رسالة منجزة مطبوعة، في حين أنها مجرد مشروع قرأ الطالب في أدبياته وكون صورة عنه، ويحتاج هذا المشروع إلى نصائح تفيد الطالب موضوعيا أو منهجيا وترشده إلى مصادر ومراجع لم يتنبه لها بحكم قلة خبرته، وقديما قيل :حفظت َ شيئا وغابت عنك أشياء.
المهم أننا سنركز على الرسائل الجامعية في مجا لات الأدب واللغة و الشريعة وما يتعلق بها. ولا يعني هذا أن المشرف على طالب الطب أو الفيزياء أو الصيدلة أو العلوم التطبيقية مستغن عن هذه الآداب ، بل الجميع محتاج إلى التحلي بها، غير ان تركيزنا على المجالات السابقة وضربنا الأمثال فيها ؛لقربنا منها واشتغالنا بها. ولاشك أن لاختلاف التجارب والخبرات والميول أثرا لا ينكر في تكوين القناعات و الآراء و الانطباعات ، لكنا نزعم أنها – من حيث المبدأ لا التفاصيل الجزئية- كما يأتي: أولا: الأمانة العلمية.
ثانيا: عدم الانشغال بطلاب كثيرين.
ثالثا: التواضع مع الطلاب والصبر عليهم.
رابعا: تشجيع الطالب على أن يكون له رأي.
وإليكم التفاصيل:

أولا: الأمانة العلمية
المعلوم أن المرء يكتسب الخبرات والمعارف والعلوم في حياته على نحو تراكمي، حتى مع القول بأنه يولد ولديه جهاز اكتساب اللغة وبقية المهارات. فإذا كان المشرف نابها – وهذا ما ينبغي- فسيكون لديه آراء خاصة في مجاله العلمي وما يتصل به، أما الإيجاد من عدم فمستحيل. معنى ذلك أن عليه أن يشرب طلابه الأمانة العلمية التي من مظاهرها في الكتابة ما يأتي:
أ*- إذا وجد رأيا في الموضوع المعين فعليه أن ينسبه لصاحبه أو أصحابه، مبينا مصادر الرأي، وقد يكون في القائلين به مدعون يزعمون أنهم مبتكروه، فعليه أن يكشف ذلك بالحقائق لا بالظنون.
ب*- قد يكون الرأي من الشائع الذي لا يختص به فرد دون آخر، ويصعب أن يذكر الكل فردا فردا، ناهيك عما ينتجه من حشو وتزيد يضر بالعمل، ففي هذه الحالة يعبر عن الرأي بلغته هو استخلاصا من مجمل ما وجد، ويشير في الهامش إلى أبرز القائلين به مصرا ذلك بتعبير(انظر أو ينظر كذا).ثم يذكر أبرز مصادر الرأي مرتبة حسب تقدم القائلين به ميلادا أو وفاة أو نشرا
ت*- يوجه المشرف الطالب إلى محاولة استيعاب أدبيات الموضوع قبل التقدم بخطته، حسب الطاقة البشرية مستعينا بالمشباك، مع التحذير من أن المشباك قد يجني عليه ويورده المهالك(1). ومن بينها الوقوع في خداع العناوين، فيحسب أن الموضوع مدروس ولم تبق فيه بقية، في حين أنه تشابه خادع حتى في حالة تطابق العناوين. خذ عندك أن دوكي(2) كل من جابر عصفور وأحمد درويش عنوانها "الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي"، وهما في جامعة واحدة هي جامعة القاهرة لكن من كليتين مختلفتين: الآداب ودار العلوم، ونوقشتا في عام واحد، غير أن المطلع عليهما يجد عملين مختلفين تماما من حيث التبويب والتقسيم والمعالجة وبروز الشخصية وميولها.
ومثال آخر: المباحث الدلالية عند الجاحظ في كتاب الحيوان ،كان مقترح ماجي، وكان الطالب في مرحلة الاستكشاف في المشباك عما يتعلق بالموضوع، فكان أن وجد بحثا بالعنوان نفسه زيد فيه (...وكتاب البيان) فلما قرأناه وجدناه من نوع( كالهر يحكي انتفاشا صورة الأسد).
ومثال آخر: رغبنا إلى طالب أن يدرس المثل والحكمة في مجموعة العبودي الأمثال العامية في نجد، لأنا نرى مثل باحثين سابقين أن بينهما موائز تركيبية ودلالية، فيكون الطالب قد أفاد من الدراسات الحديثة ويطبقها على متن لم يدرس؛ فيعاني ويتعلم وتتكون لديه شخصية مستقلة. لكن بعض من كان في أول لجنة اعترض على دراسة المتن بأسباب غير مقنعة علميا، فإذا بكل الموافقين يتحولون إلى غير موافقين!! (3) واقترح عضو لحل الإشكال أن يدرس الطالب مجمع الأمثال للميداني(ت518هـ) فقلت: إن شهرة الميداني جعلته هدفا لأقلام الباحثين، مما يضيق من حرية الباحث، هذا مع علمي بأن كل من كتب عن مجمعه لم يكن همه هذه التفرقة. فإذا بعضو آخر يقول إن هناك رسالة في جامعة الشرق الأوسط سنة كذا تدرس المثل في الميداني لغويا! فتأجل البت في الموضوع حتى نراها. وجدناها في المشباك "مجمع الأمثال للميداني دراسة لغوية" في 113 صفحة، وهي دون التقليدية، وكل ما درسه صاحبها 40 مثلا من جملة 5000مثل قديم، فتأمل! ومع ذلك رغبت للطالب أن يدرس الحكمة والمثل في أمثال المولدين، التي يوردها المؤلف بعد نهاية أمثال كل حرف، وهذه لم يدرسها أحد، وقد كان. وانتقل الإشراف إلى أستاذ آخر.
ومثال رابع: طالب رغبت إليه أن يدرس الألفاظ التي وسمها ابن دريد (ت321هـ) في "جمهرة اللغة" بأنها لغة يمانية، للتحقق من وجودها عند العلماء المتقدمين عليه، ثم امتدادها في الاستعمالات المعاصرة لفظا أو معنى أو كلاهما معا. وهذا هو الجديد الخالص الخاص بالطالب. أخذ الطالب يجمع أدبيات الموضوع عند من درسوا المعاجم القديمة، ثم نشر استبيانا على جوجل فورم ليصل إلى أكبر قدر من المهتمين ، علاوة على مجموعة تجريبية من دول عربية مختلفة تذكر وجود اللفظ من عدمه في لهجاتها، وفيم يستعمل الآن؟ وكنت وجدت في المشباك عنوانا- العنوان وليس العمل –عن اللهجات في الجمهرة، فأردت أن يطلع الطالب عليه ليفيد منه عند وضع خطته، فسألت المشرف الذي كان عنه فأفاد أنها أول ماجي أشرف عليها منذ 25سنة، وهي عمل ضعيف! ثم في لجنة مناقشة الخطة فوجئت أن الزميل الكريم قد أحضر معه صورة من صفحة المحتويات لذاك العمل الضعيف زاعما أن الطالب العبقري قد درس كل ! اللهجات في الجمهرة من كل ! الجوانب، وأنه –بتعبيره- ما خلا و لا حتى شي!!!وهكذا تحول أحمد خريش فجأة إلى بيليه عصره(4) مع أن المتأمل في صفحة المحتويات يجد عملا تقليديا استمرأه باحثونا العرب بدراسة الكشكشة والكسكسة والتلتلة الخ ما ذكره إبراهيم أنيس" في اللهجات العربية" وأحمد علم الدين الجندي في "اللهجات العربية في التراث". وعلى فرض العبقرية المزعومة لذاك العمل فمازال امتداد هذه الألفاظ في الاستعمالات المعاصرة ميدانا بكرا كما قال زميل آخر. وأجازت اللجنة الموضوع ورفع إلى مجلس القسم لاعتماده. ومع ذلك لم يهنأ أحد الغائبين عن الجلسة- وهو لم يعان متاعب الإشراف-إلا أ ن يرفع عقيرته بأن الطالب لم يذكر ثمانية أعمال في بند الدراسات السابقة!!! يا للهول! من بينها دوكي في جامعة الأزهر في التسعينات، وبحثان في مفردات يمنية لخليل يحيى نامي المتوفى عام 1982م. أجاز المجلس العنوان والخطة والإشراف، وكان من الأعمال المتميزة. سعينا للحصول على العمل الأزهري، وكاتبنا الجامعة التي ردت أن تصوير العمل ممنوع وعلى الطالب الحضور بنفسه للاطلاع وسيسمحون له - كثر الله خيرهم - بتصوير30 صفحة!!! ولو قد كان في تلك الدوكي تميز لأخرجها صاحبها كتابا، خصوصا أن عناوين أهون من عنوانه نشرت، أو لأشار إليها الباحثون في هذا المجال على الأقل. ثم انتحيت بالزميل الشاب وسألته هل قرأ عملي نامي؟ فرد بالنفي فقلت :من أين استنتجت أنه اعتمد فيهما على الجمهرة؟ قال من العنوان" مفردات من تعز وتربة ذبحان" وهما في اليمن. قلت أنت مخطئ؛ فأولاً هي أربع حلقات متفرقات نشرها في مجلة كلية الآداب جامعة القاهرة وليست حلقتين وكل أعدادها عندي مذ كنت طالباً في السنة الأولى 1977-1978، وثانيا كان نامي في تحليله للمفردات يردها إلى القاموس المحيط أو إلى بعض اللغات السامية، ولم ينقل عن الجمهرة شيئا! فتأمل! وبعد أن قطع الطالب في الكتابة نحو نصف العمل المخطط له اكتشفنا كتاباً عن اللهجات في الجمهرة حديث النشر غاب عن المعترضين في السبق المزعوم. فوجهت الطالب إلى قراءته والإفادة منه والإشارة إليه في كل حاله، فهو بحق من الدراسات السابقة المتميزة، لكن عمل الطالب بالمجمل مختلف عنه.
ث*- يتعلق بذلك أن على المشرف أن يتحرى قبل اختيار الموضوع والعنوان أن العمل لم يدرس بالمعنى الحق، فإذا وجد هو والطالب من خلال وسائل البحث عنوانا مطابقا أو مشابها فعليه أن يأمر الطالب بالعودة إليه وكتابة تقرير عنه يبين أوجه اختلافه عن عمله مهما يكن. وقد حدثت مع بعض طلابي حوادث مختلفة في هذا الشأن.
أولا: مع طالب اختار موضوعا صرفياً لم يجد عليه اعتراضا في اللجنة ولا في بقية المجالس المتتابعة، ثم تأخر الطالب في اللقاء بي مدة ليست بالقصيرة فبحثت عنه فلقيته وسألته عما كتب فراوغ في الجواب وتخلص بالوعد في أيام قادمة ثم تخلص ثانية وثالثة، إلى أن شددت عليه فأتى بكتابة متهافتة غير مقنعة من الأساس، ثم علمت بكتاب منشور يحمل العنوان نفسه أو يكاد، فسعيت واقتنيته، فإذا هو أكبر مما أتوقع مما قدم طالبنا الضعيف فتقدمت لمجلس القسم بإسقاط تسجيل هذا العمل لهذا السبب.
ثانياً: ربما تحرى المشرف غاية التحري في البداية أن يكون عمل الطالب جديدا ما أمكن لكن وسائل البحث المتاحة تخذله؛ من ذلك أن طالبا اختار مخطوطة" المقدمة السعدية في ضوابط العربية" تأليف عبد الباقي بن عبد المجيد ( ت743هـ) ليحققها ويقيم حولها دراسة. ولجأنا أيامها إلى فهارس الجامعات العربية ومراكز البحث والنشر ومعجم المطبوعات العربية، واستعنت ببعض أعضاء القسم المغرمين بالبحث في المشباك فأفادوا أنها لم تنشر. أخذ الطالب يعمل فيها نحو سنة ونصف ثم راجعتها بعد أن انتهى منها وتقرر موعد المناقشة. فوجئنا برسالة من (فاعل خير) تقول إن العمل كله ملطوش من ماجي في جامعة أم القرى تحمل العنوان نفسه وأن الرسالة موجودة على المشباك أيضا !فأوقفنا إجراءات المناقشة للتحقق؛ فاتضح أن العمل المزعوم سرقته لم يكن له وجود ولا ذكر عندما اختار طالبنا موضوعه، بل إن أم القرى أيامها لم تذكره لا في الرسائل المسجلة ولا في المناقشة ، ومع ذلك طلبنا من الباحث توضيح هذه الملابسات ومدى اختلاف عمله عن سابقه ، ففعل يل عدل في مقدمة رسالته من اجل ذلك، واتضح أن بين العملين فروقا مهمة في اعتماد المخطوطات ، وفي حسن قراءة المحتوى، وفي دراسة حياة المؤلف وآثاره، إلى أمور أخرى تجعله متميزا
ومثل ذلك في التحري أن طالبا اختار تعقيبات أبي علي الفارسي(ت377هـ) النحوية على الإغفال للزجاج(ت310هـ) لتكون موضع دوكبُه، وتحرينا أيامها ما أمكن مستعينين بخبراء البحث في المشباك فلم نجد هذا العنوان. قبل الموضوع ومر بمجالس الاعتماد جميعا دون اعتراض. ثم لما انتهى الطالب من عمله وراجعته واخترت لجنة المناقشة، جاء أحد العضوين يحمل كتابا مطبوعا في الكويت بالعنوان نفسه -حمله من المشباك- باستثناء كلمة النحوية! فكان أن اوقفت إجراءات المناقشة، وقابلت بين العملين فإذا البون بينهما شاسع ، وسيكون الفضل للمتأخر؛ لأن شخصيته واضحة في المناقشة والترجيح وتفضيل آراء الزجاج على الفارسي كثيرا، ثم إن الأول يجمع التعقيبات من كل نوع وغلب عليه النقل دون إعمال فكر، ولابد من تشابه بين العملين لكنه التشابه في أطراف الموضوع وهو لا يثبت سرقة ولا ما يشبه السرقة. طلبت من الباحث توضيح الفروق بين العملين، فجعل ذلك في فصل كامل أضافه إلى الرسالة كي يثبت أمانته العلمية.
وبهذه المناسبة فأنا لا أحب الرسائل التي تبحث في الخلافات النحوية؛ فقد كثرت وتنوعت إلى حد لم يبق فيه متسع لراقع، وسواء حملت في العنوان كلمة الخلاف أو الاعتراض أو الاختيارات، فلم يبق مذهب نحوي ، ولا نحوي كبير أو صغير أو متوسط أو ضعيف، او مجموعة نحاة في عصر، أو مصر، إلا وقد قلب ظهرا لبطن أو بطنا لظهر. وهذا العمل ثاني اثنين أشرفت عليه في هذا المجال .

ثانيا: أن لا ينشغل في الإشراف بطلاب كثيرين
فإن الطلاب إذا تزاحموا عليه في الإشراف فمن أين يأتي بالوقت الكافي لذلك؟ لاسيما إذا كان له عمل إداري ، وله ساعات تدريسية. فكيف يستطيع التحري عن أعمالهم حتى لو كان له مساعد في الإشراف؟ ولقد شهدت من ينسى الطالب الذي عنده وينسى الرسائل التي ناقشها؛ فالطلاب عنده في أويقات متقاربة تجاوزوا العشرة. صحيح أن المواهب والقدرات بين المشرفين متفاوتة، غير أن الذي يؤثر في ذلك ما يُرزقه المشرف من طلاب؛ فقد يرزق بطالب نابه تكفيه الإشارة والشرح اليسير، وقد يُرزق بطالب ضعيف في قدراته البحثية لا تجدي معه الشروح المطولة وإن كان أيام الدراسة المنهجية حفًاظة. (5) بل قد يرزق المشرف بطلاب ضعاف في أكثر من جانب، وما أوصلهم إليه إلا حصولهم على درجة النجاح التي يسمح لهم نظام الجامعة بالتقدم لتسجيل رسالة. فإذا كان لدى المشرف أكثر من 4طلاب في أزمان متقاربة-وكان 3 منهم ذوي همة عالية- فلا يشكل هذا مشكلة لديه؛ فبعضهم يكون قد تجاوز مرحلة بلورة الخطة والتبويب، وبعضهم قد كتب فصلا أو عدة مباحث بينت جوانب الضعف والقوة عنده، وبعضهم قد أتم عمله وبقيت مراجعته مكتملا قبل الطباعة أو بعدها أو بقي عليه إصلاح هفوات الطباعة ونحوها والعمل بالتعليمات الأخيرة .أما إذا كان الطلاب من العينة الثانية المتعبة فما أشد معاناة المشرف!
كاتب هذه السطور من النوع الذي لا يقول –ولم يقل- لطالب درّسه أو لم يدرسه: "تعالَ عندي أكن مشرفا عليك". وإذا جاءه طالب متوسط أو قريب من الضعف (أو لا يعلم ضعفه ) يطلب إشرافه، فإنه لا يرده، أملاً في أن يقوّي الطالب من ضعفه فيتحسن مستواه، إذا كان ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وقد تحسن مستوى طلاب عندي ممن لم يكن يشار إليهم بالبنان؛ لأن النية في إصلاح النفس متوفرة عندهم. ومالنا نذهب بعيداً، وأمامنا ميدان كرة القدم، ففي بطولة أوربا للأمم 2004م، التي أقيمت في البرتغال، لم يكن منتخب اليونان مرشحا إلا للخروج من الدور الأول، فليس فيه لاعب من ذوي الأسعار العالية، ولا ممن فاز بجائزة من أي نوع، ومع ذلك تجاوز المراحل كلها حتى وصل لنهائي البطولة، وفاز على البرتغال صاحبة الأرض والسمعة بهدفين وأحرز الكأس.
والحمد لله أن النوعية الضعيفة التي ليس عندها نية في إصلاح نفسها كانت قليلة في تجاربي، وهم يشيبون من لا يشيب، فهم كما روت كتب الطبقات عن كيسان مستملي أبي عبيدة(ت210هـ) أنه كان يسمع غير ما قيل له ويفهم غير ما سمع، وينقل إلى دفاتره غير ما يفهم!!! حتى إن طالبة مددتها بالمراجع والكتب اللازمة، بل برسائل في نفس المجال طالباً منها أن تستفيد منها في عملها، فإذا هي تنقل صفحة الشكر من رسالة سابقة!
المهم في كل الأحوال ينبغي أن يكون عند المشرف دفتر أو سجل يخصص فيه صفحات لكل طالب، يدون فيها كل ما يحدث معه ابتداءً من اختيار الموضوع والحديث حوله باليوم والساعة ويذكر خلاصة ما حدث سواء كان لقاء مباشرا أو اتصالا بالجوال، ويستمر معه في كل الإجراءات، وفي كل المراحل حتى ينتهي العمل، وتشكل للطالب لجنة مناقشة. فهذا أضمن أن لا يخلط بين الطلاب وأعمالهم إذا تعددوا، ويعرف إلى أين وصل كل فرد، وذلك أن بعض المشرفين لا يلقي بالاً لذلك. وقد شهدت مشرفين ليس لهم من الإشراف إلّا اسمه، إذ يتخلص من الطالب بقوله: "افعل ما يبدو لك وبعد أن تنتهي من عملك هاته أنظر فيه وأضع توجيهاتي دفعة واحدة" وهذا -لعمري- ليس بإشراف، بل هو (مراجعة) كما يفعل مصححو المطبوعات. ولقد اشتركتُ مرة في مناقشة ماجي في جامعة عدن، فوجدت -من خلال العمل- أن الإشراف غائب، بل زاد المشرف! فلم يحضر في موعد المناقشة المعلن. ولأني كنت رئيس اللجنة بحكم اللائحة والأقدمية العلمية افتتحت الجلسة وأمرت الطالب بقراءة ملخص العمل ونتائجه، ثم نقلت المناقشة إلى الممتحن الداخلي. ثم جاء المشرف يعتذر عن التأخير الذي وصل إلى نحو ساعة، وأقرّ بتقصيره في الإشراف لاشتغاله بعدة أعمال إدارية، رغم أن ليس له من الإشراف غير هذا الطالب وحده.
وحكاية ثانية في آداب صنعاء سمعت المشرف يقول ببرود إن الطالب غائب عنه أربع سنين! وأنه لم ير هذا العمل إلا مطبوعا قبل شهر! وقد شهدتُ وأنا طالب ماجي في آداب القاهرة شيئا أنكى من هذا. الزميل محمد عطا أحمد أراد أن يسجل في التفسير أيامها( فبراير1983)، وكانت الموضة حينذاك سلسلة رسائل تجمع تفاسير المتقدمين على الطبري مثل: ابن جريج وأُبي بن كعب وابن مسعود ومجاهد بن جبر ...الخ وتقيم عليها دراسة. فكان أن يختار صاحبي "تفسير السدي الكبير، جمع وتحقيق ودراسة" بإشراف د. يوسف خُليف. ونزلت معه إلى سجل الدراسات العليا نبحث في رسائل الماجي المجازة والمسجلة فلم نجد. كتب الطالب الخطة وعرضها على المشرف، فأشر عليها: أوافق على الخطة والإشراف والموضوع، ووقّع. دخلت الخطة مع بقية الخطط مجلس القسم في 21أبريل 1983 فأقرها. ظل الطالب يعمل فيها إلى أن طبعها وراجعتها بحكم الزمالة وتقدم ليناقشها بعد إقرار المشرف أنها صالحة للمناقشة في نوفمبر1984. ودخلت مجلس القسم لإقرار اللجنة، وتعطلت مدة، لأن أحد الأعضاء -وكان أيام إقرارها خطةً خارج مصر- قال إن هذا العنوان بالحرف مسجل رسالة دوكي، أين؟ في القسم نفسه والكلية نفسها منذ عامين ونصف، وزاد فنزل إلى السجلات وأتى بما يعزز قوله، وأنها مسجلة لدى أستاذ آخر في القسم قبل أن يختارها طالب الماجي مشروعا له! ولابد أنها مرّت بخطوات الاعتماد نفسها، فأين المشرف الأول؟ وأين المشرف الثاني؟ وكلاهما أستاذ وعضو في مجلس القسم! هذا عواقب الاستهانة بالتدوين على الأقل عند المشرف، ثم اعترض الطالبُ بأن لا ذنب له، خاصة أن العمل الذي يفترض أنه سابق لم يناقش أصلا! ولو كان يعلم أنه مسجل ما اختاره وتقدم به. وسانده مشرفه وقال: هذه رسالة مكتملة، سار فيها الطالب في الإجراءات النظامية كلها، وأنتم -معاشر أساتذة القسم- أقررتم عمله واعتمد العمل في مجلسي الكلية والجامعة. وسيرفع الطالب عليكم قضيةً في المحكمة الإدارية، وسيكسبها حتماً. فأجيزوا لجنة المناقشة، وانظروا حلا للطالب الأول المتغيب. اهـ. وتم ذلك فعلا، وغُيّر موضوع المتغيب إلى أن يكون دراسة مقارنة بين تفسير السدي وأحد التفاسير المتقدمة.
يتعلق بهذا أن لا بأس في أن يشرك المشرف أحد زملائه الأقل درجة منه في الإشراف على الطالب، شريطة تقارب الأفكار والمنهج، وهو سيساعده في حمل عبءٍ، ويتعلم منه. غير أن تجربتي في الإشراف علمتني أن المشرف المشارك نوعان: نوع يخفف العبء عنك ونوع هو عبء في ذاته، أو أن وجوده كعدمه .من النوع الأول الزميل يحيى صالح شاركني الإشراف على رسالتي ماجي في المنطقة بين علم اللغة والبلاغة فحمل عني أكثر من 70%، وأقررت له بذلك في المناقشتين. ولا داعي للحديث عن النوع الثاني. وقد شاركت زميلين فاضلين الإشراف على رسالتي دوكي إحداهما في جامعة محمد الخامس بالرباط، والثانية في آداب عين شمس، ولم أشعر بأي معوقات أو منغصات معهما.
ثالثا: التواضع مع الطلاب والصبر عليهم
التواضع خلق كريم يحث عليه ديننا الحنيف. ولا يتواضع في الأغلب إلا عالم حقيقي، أما الفارغ من العلم الذي ليس له منه سوى القشور والألقاب فالتواضع بعيد عنه بُعد المشرقين. ويندر أن تجد عالماً حقيقياً متكبراً فظاً.
وقد رزقني الله في إعداد رسالتي الماجي والدوكي بعالمين جليلين لكل منهما طريقته في التعامل مع الطلاب، لكن التواضع من شيمتهما. في الماجي كان أ د. حسين محمد نصّار صاحي "المعجم العربي نشأته وتطوره"؛ جئت إليه بالخطة مكتوبة بخطي، بعد أن انتهيت من الدراسة الميدانية في "لهجة ذمار، دراسة صوتية وصفية" في 17فبراير1983، ولم أكن شاورت فيها أستاذاً قبل. اطلع عليها، وسأل عن بعض المصطلحات الواردة فيها، ثم كتب موافقته. وبعد أن كتبت أول فصل منها أتيته به، فقال: تعال السبت القادم. جئت في الموعد نفسه فسلمني العمل وطلب أن انظر في الملاحظات وأقول رأيي قبل أن أغادر. فعلت، ولم أجد غير ملاحظتين تتعلقان بالتهميش واستعمال الأرقام بدلا من النجوم تارة، سواء كان للإشارة إلى مرجع أو تعليق لي. وأشهد أنه رحمه الله كان ملتزماً جداً في موعده.
أما في الدوكي فكان مشرفي أ.د. محمود فهمي حجازي صاحب "علم اللغة العربية مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية" والأسس اللغوية لعلم المصطلح، والمشرف على ترجمة "تاريخ التراث العربي" لمحمد فؤاد سزكين، وكذا المشرف على الترجمة الثانية لكتاب كارل بروكلمان "تاريخ الأدب العربي"(6). تقدمتُ إليه بخطة أقر أنها (مكلفتة) طلبا لسرعة الإنجاز، فرفضها -ومعه كل الحق- وطلب تعديلها جذريا بعد تغيير العنوان طبعا، وسألني عن مدى معرفتي باللغة الانجليزية فقلت إني لا أستطيع المحادثة الشفوية بها. فقال: لا نريدك مترجما فوريا ولا دليلا سياحيا، بل نريدك أن تقرأ بها في تخصصك علم اللغة فهل أنت قادر؟ قلت: نعم بمعونة المعاجم، قال: لا بأس، خذ هذا الكتاب -وكان من تحرير الايطالي ب.ب.جيجليولي- واقرأه، ففيه عدة أبحاث مهمة في اللسانيات الاجتماعية، وائت بملخص له بعد عشرة أيام. عكفت على الكتاب ثمانية أيام متواصلة، واستوعبته، بل نقلت منه ما أراه سيفيد بحثي، وجئته بالملخص مع بعض النقدات اليسيرة، فهش لذلك. ثم أرسلني إلى مكتبة الجامعة الأمريكية للبحث عن مجلة اختصارها AIRAl، فأفاد مسئولو الدوريات أنها غير متوفرة. ثم بعثني برسالة منه إلى تلميذه د.سعيد حسن بحيري(7) في كلية الألسن بجامعة عين شمس (وكان مقرها حلمية الزيتون)، وكان حديث عهد بمناقشة دوكيه. رحب بي ونزل معي مكتبة الكلية، وبحث لي ومعي، وسأل الموظفين، ولم يكن لها أثر، وحمّلني سلامه إلى المشرف.
وبعد أن اتفقنا على العنوان والتبويب اتصل بالدكتور السعيد محمد بدوي(8)، في مركز اللغة العربية بالجامعة الأمريكية. وذهبت فقابلته، فرأيته غاية في التواضع يصنع بيديه لضيوفه من طلاب العلم المشروب الساخن الذي يفضلونه، وأفدت منه فوائد جمة.
ثم تأخر التسجيل لأمور إدارية، وبعد التسجيل كنت أزور المشرف في الكلية وأخبره أن الاطلاع مستمر، والكتابة مستمرة دون أن أسلمه شيئا مكتوبا. وبعد نحو عامين سلمته -حسب موعد مسبق- أول فصل مكتوب بخطي، فأخذ يتأمل في كل صفحة ثانيتين لا أكثر ثم يَقلبها حتى انتهى من الأوراق في نحو خمس دقائق، وابتسم ناظراً إلي: "عمل طيب"! عزّ علي أن يكون النظر إليها بهذه السرعة وخشيت عواقب ذلك، فتجرأت وقلت: اعذرني يا أستاذي. أبهذه السرعة تكون قد استوعبتَ ما كتبتُ؟ فما رأيت في وجهه ما يدل على ضيق أو غضب، بل قال: معك حق، افتح الصفحة الثانية السطر السادس تجد أنك أخطأت في جَعلك اسم إنّ المتأخر مرفوعا وحقه النصب. فوجدته ما قاله حقا. وقال: انظر في الصفحة السادسة السطر الثامن تجد كذا، فوجدته كما قال. فاعتذرتُ وسألت لماذا لم يكتب عليها، فقال: ما دامت الأخطاء هينة فإن مجابهة الطالب بها جميعا قد يؤدي به إلى الاضطراب، أما إن كانت الأخطاء منهجية أو كبيرة فلا يجوز السكوت عليها. وفي كل الأحوال سأنظر في العمل جميعه متى انتهيت منه. اهـ. وهذا الذي حدث معه لو كان مع مشرف متكبر لكان مصيري الشتم والتأخير لعام أو أكثر، وهذا فوق البحث عن وسطاء لتحنين قلب المشرف، لكن الله سلّم.
وظللت معه على هذا المنوال، يقلب في الأوراق ثم يردها إلي مبتسما، ويقول: هل لديك استفسار؟ فأقول ما كنتُ حضّرته مسبقا، ويرد عليها. وفي السنة الأخيرة من العمل كان الاتفاق المسبق على الاتصال به ليلة السبت، ثم زيارته في منزله بالهرم في منطقة قرب معهد الموسيقى العربية. أدق جرس بابه الثامنة صباحاً، فيفتح الباب بنفسه وهو لابس المنامة/البيجامة، ويرحب، وندلف إلى غرفة الاستقبال، ويذهب إلى المطبخ، ويأتي بكوبي شاي مصحوبين ببقلاوة أو بسبوسة ونحوهما. ولما كان -حفظه الله- يتضايق من الجلوس على الكنبة، فإنه ينزل فيجلس على الأرض، ونشرب الشاي، وأسأله ما أريد، فأعود بفوائد علمية كثيرة حتى في غير الدوكي. ويشهد الله أني في الموعد السبتي -وحتى في غيره- كنت أجده يفتح الباب في التوقيت نفسه دون إبطاء حتى دقيقة واحدة.
ثم تحيرت أمام فصل من فصول الرسالة الثمانية كيف يعالج، واجتهدت في ذلك ولم أوفّق، وعرضته على المشرف فقال: بكل صراحة، الذي يقرأ العمل جميعه سيقول قولا من اثنين: إما أن شخصا غيرك هو الذي كتب هذا الفصل، أو أن غيرك هو الذي كتب الفصول السبعة. اهـ .وعرض علي أمرا هو أن أخصصه للألفاظ المقترضة في لغة الصحافة اليمنية، وأجعله في حقول دلالية. ثم صعد بي إلى الدور الأعلى في عمارته، ففتح شَقّةً كبيرة كلها مكتبة متصلة في جميع غرفها، وذهب فالتقط بعض المعاجم وسلمها إليّ. عدت إليه بعد ثلاثة أسابيع، فقلب في العمل ورفضه، ثم صعدنا إلى المكتبة وأخرج منها معجماً تأصيلياً للألفاظ في الانجليزية الحديثة، ورسالة دوكي عن اقتراض الالفاظ العربية، احيزت في جامعة برنستون في أمريكا(9). وقال: حاول أن تعمل مِثله، مع أن معالجته مختلفة، وليس عنده تأصيل، وبعض ألفاظه سيختلف لاشك عمّا في مدونتك.
غبت عنه نحو أسبوعين معدّلاً العمل الثاني حذفا قليلاً وإضافات كثيرة إلى أن استوى، وعدت به إليه، فسرّ أيّما سرور وقال: هذا أنت الذي أعرف(10). اطبع العمل كاملا وجئني به. فعدت إليه بعد مدة، فأخذ يقلّب العمل ويقف على بعض المواضع، أذكر منها موضعا في الفصل الأول شطب من فقرة ثلاثة أسطر وأبدل بها أسطرا من تعبيره، وفي موضع آخر شطب فقرة كاملة، كأنما كان يتذكرها من قديم. فسبحان العاطي الوهّاب! وما أطلت هنا إلّاكي أضرب مثلا للمشرف في تواضعه مع طلابه وصبره عليهم وأخذه بأيديهم إلى كل ما يصل بالعمل إلى حدّ الكمال الذي لن يبلغه بشر، فهو يدل على مصادر ومراجع ويبين أهم ما فيها، وقيمتها، ويكتب إلى مختصين في الموضوع يوصيهم أن يفيدوا الطالب، وإذا لزم الأمر أرى الطالب العين الحمراء إن شرد أو خالف منهج العلم. وقد حاولت السير على سنة شيخي، ورجوت بالتشبه به أن أصل إلى شيء قريب مما يصنع. ولا أريد التحدث عن نفسي؛ فالحديث عن النفس في مجال الفضائل مملول ممجوج عند القارئ والسامع، بل أخشى أن يُبطِلَ أجره عند الله تعالى الذي أرجو منه الثواب والمغفرة.
وبما أن التشّبه بالكرام فلاح، فلا بأس في أن أذكر أمثلة من غير المشرفين عليّ. خذ عندك أ.د. كمال محمد بشر(11) (ت1915) جاءنا في السنة الرابعة من الليسانس، يدرّسنا مقرر علم اللغة الحديث، وكان من بين أربعة يحاضرون بالعربية الفصحى المعاصرة، بطلاقة تامة دون بذل جهد إضافي(12)، فكأنما يتحدثون بالمحكية. كان لديه قدرة عجيبة في البسط والإيجاز، فقد يوجز موضوعا في عشر دقائق -وهو يستحق ساعة-، وقد يبسط موضوعا في ساعة ونصف مثلا. لم أشرف بالدراسة على يديه في غير السنة الرابعة. ولما صرتُ في تمهيدي الماجستير كانت ثلاثة مقررات من أربعة في كليتا في المساء، فكنت أذهب إلى كلية دار العلوم، وأحضر مع طلاب علم اللغة في مكتبه. من بساطته وكرمه أنه يجبر كل داخلٍ مكتبه للدرس أو للسؤال أن يشرب شيئا، ولا يقبل عذرا عن الامتناع من تلقي الواجب. واستفدت من دروسه استفادة عظيمة. ثم بعد أن سجلت الماجي كنت أذهب إليه أسأله في جزئيات واجهتني عند التطبيق العملي، فلا يتضايق ولا يقول مثل بعضهم: لديك مشرف أذهب فاسأله. ولكن هذه البشاشة تتحول إلى صرامة، فقد مكث طالب عنده في الماجي سبع سنوات تقريباً حتى رضي عن عمله وسمح له بالمناقشة.
وإذا ابتعدنا عمن عرفناهم، فهناك أمثلة غيرهم. حدثنا من درس على المرحوم محمد حماسة عبد اللطيف (1941-2015م) أنه -على شدته- متواضع، قال: كنّا نجد في هواتفنا، في الأعياد والمناسبات، أنه أرسل لنا بمعايدات قبل المناسبة بيوم أو اثنين ابتداءً/ مبادرة منه، فنرد عليه، ولم نستطع أن نسبقه.
نماذج سيئة:
إذا كان الشيء يستدعي في الذهن نقيضه، فلا بأس من ذكر نماذج نقيضة للتواضع، عن مخلوقات متخمة بالكبر والعنجهية واحتقار الآخرين واستصغارهم ومعاملتهم بغلظة شديدة لا مسوّغ لها من خُلق أو دين أو علم أو إنسانية. وسنبدأ بأخفها: حدثنا د. أحمد عبد الحليم عطية، في صيف 1986م، -وكان معنا جمع من الزملاء المغاربة -بأنه انتهى من طبع الدوكي وسلمها لمشرفه وقد مرّ على ذلك ما يزيد على السنة، وهو لا يجرؤ على سؤاله: متى حددت، سيادتك، موعداً للمناقشة؛ حتى لا يعاقبه.
ونموذج آخر حدث مع طالب يمني انتهى من عمله، وصادف مشرفه بجوار عمارته فاستوقفه وسلّم عليه، وقال: هذه الرسالة يا أستاذي. فنظر إليه شزراً وقال: افتح شنطة العربية (سيارة الأستاذ المشرف) ففتحها. فقال له: ضع الرسالة فيها. ففعل. ثم: اقفل الشنطة. ففعل. قال: ما تاريخ اليوم؟ قال: يوم كذا شهر كذا سنة كذا. قال: عال. بعد سنة بالضبط في مثل هذا اليوم تعال اسألني عنها. كيف تسلمني رسالتك في الشارع؟! سلّم الطالب أمره لله، وعاد إليه بعد أن حال الحول، فأعطاه مفاتيح السيارة قائلا: "خذها من الشنطة" فعلا وجدها كما هي، فعاد وسلّمها إليه ثانية في المكتب، معتذرا من قلة ذوقه, وغبائه، وودّ لو أن الذبياني، شاعر الاعتذارات، كان موجوداً ليعتذر عنه بقصيدة.
وحالة أشد وأنكى من ذلك شهدناها في أبريل2008 طالب دوكي يمني في جامعة أسيوط، مشرفه يسكن في الجيزة، أي يبعد عن مقر الجامعة مسافة خمس ساعات ونصف بالقطار السريع مسبق الحجز. والطالب أيضاً من ساكني الجيزة. أكمل قسماً من عمله وذهب إلى منزل المشرف يسلمه، فرفض المشرف محتجاً بأن هذا سكن وليس مقر عمل، وأن مقر عملي في جامعة أسيوط! فلابد أن تسلّمها لي هناك رسميا! ولم يقبل من الطالب غير ذلك. فحجز الطالب في القطار وسافر في اليوم التالي، وبات في فندق، ثم ذهب إلى الكلية المعنية وانتظر مجيء المشرف (المتواضع) فلما وصل سلم عليه وأراد تسليم العمل قال لا؛ سلمها للسكرتارية، وهم سيسلمونني! وصار الطالب إذا كتب شيئا، يتصل بمشرفه المتواضع ويسأله عن الوقت المناسب لسيادته في أسيوط، كي يحجز ويسافر ويسلم على السكرتارية!!! وكان صاحبنا يعود بعد شهر ليسلم العمل وينظر في الملاحظات (القيمة) فلا يجد شيئا ذا بال. أما اللقاء الشخصي وجها لوجه والتباحث حول العمل والملاحظات فلم يحلم به الطالب مجرد حلم.
رابعا: تشجيع الطالب على أن يكون صاحب رأي
ينبغي على المشرف أن يشجع الطالب على الجرأة العلمية المحمودة، بأن يكون ذا رأي خاص في جزئيات ما يدرس، وفي غيره، فإذا انتقد السابقين بأدب فعليه أن يشجعه، لا أن يكبته أو يبّكته ويحقره بأقوال من عينة: من أنت حتى تنتقد فلانا وفلانا؟ حتى كان لك (عِندٌ) حتى تقول هذا؟...الخ. وليعلم أي مشرف أن مهمته في الإشراف ليست تفقيس نماذج منه أو من غيره، بل إرشاد هؤلاء بحكم خبرته، ففضل الله العظيم، غير مقصور على جيل دون جيل ولا أمة على أمة. ومن يدري فقد يصير هذا الطالب وأمثاله في المستقبل ذوي شأن في تخصصاتهم، وهذا يحدث كثيراً. ثم إن العمل باسم الطالب حتى وإن كتب عليه (إشراف فلان). فهذه العبارة ستحذف إن أراد الطالب فيما بعد نشر عمله معدلاً أو غير معدّل.
ولقد سُئل الدكتور محمود فهمي مرّة: إن طلاب أ.د.(...) متشابهون، في حين أن طلابك لا يشبهونك، فلماذا؟ فرد بأدب: أحمد الله على أنهم لا يشبهونني.
هذه وجهة نظر في أدب المشرف، قد نختلف حول بعض التفاصيل، أما المبدأ فما أظن أننا سنختلف كثيراً.
ولا بأس في الختام من التوكيد أن الطلاب متفاوتون في القدرات جميعها ومتفاوتون في الأخلاق طيبها وسيئها، ومنهم البررة الذين يذكرون من أفادهم بظهر الغيب بخير، ومنهم العَققة الذين ينبغي أن يضموا إلى كتاب أبي عبيدة مَعمَر بن المثنى التيمي (ت210هـ)، ومنهم من هو في المنزلة بين المنزلتين. ولا تكتمل آداب المناقش وآداب المشرف إلّا بآداب طالب العلم، وهذا ما ألّف فيه سلفنا الصالح. نسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا ويهدينا إلى سبيل الخير. آمين
عباس السوسوة














الهوامش


(1) انظر بحثنا"جناية المشباك على التأليف العلمي" المنشور في موقع تربيتنا.
(2) دوكي اختزال دكتوراه وماجي اختزال ماجستير، كما اختزل دكتور إلى دُك وبروفسور إلى بروف.
(3) هذا يذكر بفلم الفانوس السحري لإسماعيل يس و عبد السلام النابلسي، حين كان رئيس مجلس الإدارة يقول : أنا موافق على تعيين مصطفى عبحفيظ عبحفيظ مديرا بدل مرسي، فيرفع الأعضاء أيديهم: موافقون.ولما تغير الحال وقال: يعاد مرسي لمنصبه ويعزل مصطفى عبحفيظ أنا موافق،قالوا: موافقون.فقال النابلسي بهمس كالفحيح:موافقون!! منافقون.
(4) كان خريش مدافعا في فريق اتحاد جدة لكرة القدم، أما بيليه فلاعب القرن، احرز مع منتخب البرازيل كاس العالم ثلاث مرات: 1958و62و70 وسجل 2238هدفا.
(5) حفًاظة على وزن فعًالة للدلالة على المبالغة في حفظ الدروس ونحوها، كما قالوا: علاًمة وفهًامة وشتًامة.
(6) وترجم منه أجزاء أيضا. كما عمل في الكتاب السابق.
(7) مؤلف علم لغة النص، ومترجم كثير من الكتب عن هذا العلم، وعن التداولية، واللسانيات الإدراكية، وغيرها من الألمانية.
(8) توفي -رحمه الله- في 2014. وهو مؤلف "مستويات العربية المعاصرة في مصر" 1973. وأعد نفسي تلميذا له في عدة جوانب، رغم أني لم أشرف بالدراسة على يديه.
(9) في134 صفحة من القطع دون المتوسط.
(10) درسني في مرحلة الليسانس في المستويين الأول والثالث.
(11) مؤلف علم الأصوات، وعلم اللغة الاجتماعي، ومترجم دور الكلمة في اللغة لستيفن أولمان، وغيرها.
(12) الثلاثة الآخرون هم محمود فهمي ومحمود علي مكي وسهير القلماوي.

بواسطة : الأستاذ الدكتور/ عباس علي السوسوة
 0  0  3017
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:24 صباحًا الخميس 15 ذو القعدة 1440 / 18 يوليو 2019.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.