• ×

10:40 مساءً , الأربعاء 17 شوال 1443 / 18 مايو 2022

- آخر تحديث 17-06-1443

في أدب تحكيم النشر العلمي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
في أدب تحكيم النشر العلمي
عباس علي السوسوة - أستاذ اللسانيات بجامعتي تعز باليمن والملك خالد بأبها

كنت كتبت منذ سنين في هذا الموقع في أدب مناقشة الرسائل الجامعية، ثم في أدب المشرف على الرسائل الجامعية، ولقيا صدًى طيبًا لدى المهتمين من طلاب الدراسات العليا والأساتذة، ونُقلا كثيرًا في أكثر من موقع. وهذا من فضل الله تعالى. ورأيت بعد ذلك أن الأستاذ الجامعي لا يصير أستاذًا إلَّا بعد مراحل زمنية، يتقدّم فيها بأبحاث للنشر في كل مرحلة في تخصّصه العام والخاص، إلى وعاء نشر محكّم، وهذا الوعاء - عادة - يكون مجلة تصدر دوريًّا، أو كتابًا دوريًّا محكمًا. ويغلب أن تكون هذه الأوعية تابعة لجامعة حكومية أو خاصة، أو لمركز من مراكز البحوث المتخصصة. وبعد التحكيم والنشر، يرتقي صاحب الأبحاث إلى مرتبة أعلى.
والأستاذ قد يكون حكمًا في بحث أو في مجموعة بحوث مثلما يكون محكومًا عليه. ولا ينفصل موقفه عن وعاء النشر؛ فلكل وعاء شروطه الموضوعية والشكلية التي قد تتفق أو تختلف مع غيره، من حيث التوثيق وطرق صنع الهوامش والملاحظات، وطريقة ذكر بيانات المراجع والمصادر؛ أبالعنوان فالمؤلف... إلخ، أم باسم الشهرة فالعنوان... إلخ، أم بطريقة جمعية علم النفس الأمريكي التي تذكر اللقب مع سنة النشر في المتن؟، وسنبدأ بذكر أدب الجهة الناشرة ثم بأدب المحكم في النشر.
أولًا: أدب جهة النشر
البحث العلمي والنشر متلازمان حتمًا، والنشر من أهم وظائف الجامعة - إلى جوار التعليم وخدمة المجتمع. وهو علامة تميّز لجامعة من جامعة؛ فالجامعة التي تتعدد دورياتها المتخصصة لنشر الأبحاث أميزُ من التي ليس لها غير دورية واحدة. وإذا انضاف إلى ذلك جدّيّة التحكيم، والسلاسة في إدارة النشر بمراحله كافّة: استقبالًا للأبحاث، وإسنادها لذوي التخصص والخبرة - كلٌّ في مجاله - ليقيموها إلى أن تنشر معدلةً أو كما هي، وتلك هي الغاية.
وقد ظلت بعض الجامعات العربية العريقة في النشأة مهملة في صدور دورياتها؛ إذ تمرّ سنون ولا يصدر منها عدد، كان حقه أن يصدر منه اثنان وأربعة. كان لكلية دار العلوم حولية واحدة، ظلت سنوات لا تصدر، رغم شدة حاجة الباحثين للنشر ورغم كثرة أقسام الكلية؛ مما دعا بعض كبار الأساتذة - د. حامد طاهر - إلى إصدار كتاب دوري محكم، بعنوان: «دراسات عربية وإسلامية»، ظل يصدر بالجهود الذاتية سنين طوالًا وتنشر فيه أبحاث الدراعمة وغيرهم. وأصدر شيخنا محمود فهمي حجازي - رحمه الله - «مجلة علوم اللغة» فصلية منذ 1998.
وكان لكلية الآداب جامعة القاهرة مجلة نصف سنوية محدودة صفحاتها، ثم توقفت سنين، رغم أن أقسام الكلية كثرت حتى وصلت إلى 15 خمسة عشر. وتولى شيخنا محمود فهمي حجازي (1940 - 2019) وكالة الكلية لشئون الدراسات العليا؛ وجاهد حتى صارت تصدر في السنة أربعة أعداد كبيرة الحجم، تنشر للباحثين من كل أقطار العالم، وما تزال.
وأنشئت جامعة صنعاء عام1970م بدعم من حكومة الكويت، ولم يصدر عن كلية الآداب فيها مجلة إلا بعد 13 عامًا تقريبًا، واستمرت سُنيّات تصدر، ثم توقفت لعدم التمويل!! لأن المال يصرف في الحفلات والسفريات، رغم وجود مواد تكفي لإصدار أكثر من أربعة أعداد، فتطوّع أحد المحسنين من القواسم وطبعها جميعًا على نفقته في عام 1997م.
وبعد هذا المدخل الذي طال، نقول: إن من آداب الجهة الناشرة ما يأتي:
1) أن تضع في مفتتحها قواعد النشر وإجراءات التعامل معها بوضوح، وتذكر الهيئة العلمية الاستشارية، وتحدّث بياناتهم، فمن الملاحظ أن بعضهم يكون قد انتقل إلى الدار الآخرة من سنين، ومع ذلك فمكانهم محفوظ في هذه المجلة أو تلك.
2) يحسن أن لا يكونوا من أصحاب المناصب الإدارية، فهؤلاء - حسب خبرتي المتواضعة - لا وقت لديهم لقراءة وتدقيق، خصوصًا مَن تتعدد مناصبه فيظن أنها تغنيه عن القراءة والاطلاع، فإما أن لا يلقي بالًا لما يصله من إدارة المجلة، وإما أن ينظر فيه بعد دهر، وحسب الحالة المزاجية، فقد يجيز - أو يرفض - بمنتهى التهاون.
وقد رأيت لمدة ربع قرن وتزيد في صدر المجلات الجامعية في اليمن أن أسماء الهيئة الاستشارية تتكرر دون تغيير: رئيس جامعة سابق، نواب رؤساء جامعة، وزراء، وكلاء. وكلهم انقطعت صلتهم بالعلم والبحث نهائيًّا، فهم كاللائي يئسن من المحيض( 1).
3) إذا وصل الجهة الناشرة بحث ترد على صاحبه بِـ: «أن بحثه المعنون بكذا وصل، وسينظر فيه المحكمون». ولا يعد هذا أمارةً لا بالقبول ولا بالرفض. والأمر مع البريد الإلكتروني أسرع وأيسر من ذي قبل. للأسف كثير من الجهات لا ترد أصلًا، وربما مرّ حول وأكثر!! ولا ردّ، فلا هي قامت بواجبها ولا تركت الباحث يطرق مجلَّات أخرى.
4) يجب ألّا يترك رئيس التحرير ومدير التحرير هذا الأمر موكولًا إلى موظف صغير لا يقدر خطورة المسئولية، فقد يحبط كل توقعاتهم باللامبالاة.
5) أن تتفقد الجهة الناشرة موقعها المشباكي دائمًا، لتنظر أفيه أعطال وتصلحها، وتحدّثه دائمًا؛ فالموقع الذي لا يستقبل ملفات الأبحاث لا قيمة له. من ذلك مثلًا قبل عامين أرسلت مادة لمجلة تابعة لكلية جامعية ووصلتها إلكترونيًّا. وسألت عنها ووسّطت - لأن هيئة التحرير لا تردّ - فكان الجواب: «كنا في إجازة، فكيف استُقبلت مادتُك؟!». ومثال آخر لم يمر عليه أسبوع، مجلة في الإنسانيات تصدر من كلية جامعية في دولة من دول الوفرة، آخر تحديث للموقع في عام 2019م!، وكلّما حاولت الدخول أخفقت.
6) أن ترسل الجهة البحث لمحكم مختصّ، لا تقل رتبته العلمية الجامعية عن رتبة طالب النشر. غير أن هذا لا يراعى في كثير من الأحوال.
7) إذا كانت نتيجة التحكيم إيجابية أو سلبية، فيجب أن تخبر صاحب الشأن. وتعلمه متى سينشر بحثه على وجه التقريب أو التوكيد.
8) أن تسلك الجهة الناشرة سلوكًا واحدًا مع الجميع دون تفرقة. وللأسف فبعضها لا يفعل ذلك. فمثلًا نجد مجلة تصف نفسها بنشر الأبحاث المتعلقة بعلم اللغة والصرف والنحو، ثم تعتذر عن نشر بحث في ألفاظ الزراعة، وتنشر آخر عن ألفاظ الأسماك!!
9) الرد العاجل بالنتيجة - لا بوصول المادة - خطأ لا يجوز. من ذلك أنني أرسلت بحثًا عن الفوارق الأسلوبية اللغوية بين القرآن الكريم والحديث الشريف، من حيث النحو والأبنية والمعجم، لإحدى مجلات كلية من كليات الشريعة، فجاءني الرد بعد 70 ساعة!! بالرفض!، لماذا؟: «1. غفلت عن كتابة البسملة في صفحة منفردة. 2. كنت رفيقًا بالمؤلف. 3. لم تكثر من الأمثلة»!، حسبي الله ونعم الوكيل إذا كان هذا حال مالكي أمور النشر في العالم العربي!.
10) يحسن بالجهة الناشرة أن تتيح لكاتب البحث أن يعقّب على آراء المحكم، خصوصًا إن كان الاتجاه إلى قبول النشر ببعض التعديل.
ثانيًا: أدب المحكِّم/ الحَكَم
1) استشعار المسئولية التي ألقيت على عاتقه، وأنه في موقف القاضي العادل الذي لا يجور في حكمه، ما وسعه جهده وعلمه وطاقته البشرية.
2) أن يقدر لكل حالة قدرها، فلا يعامل بحثًا تكميليًّا لطالب لم (يتدكتر) بعد معاملة بحث لأستاذ مساعد أو مشارك.
3) أن يعتذر عن التحكيم في غير تخصصه أو التخصص القريب منه.
4) إذا وجد في البحث آراء تخالف الشائع والسائد، فلا يعجل باللائمة على صاحبه، بل يمكن أن يعدّ ذلك من قوة شخصيته العلمية. ولو كانت الأبحاث مجرّد نقول تتلوها نقول، لما تقدم العلم في أي تخصص.
5) أن يتثبت قبل ذكر رأيه في أي جزئية عامة وخاصة، فبعض المحكمين نافد الصبر يكتفي بلمحة الطائر - خاصة إذا استعجل بالعودة العجلى للمشباك - فيقع في أخطاء يتورع عن مثلها الألبّاء والحصفاء( 2)، وأذكر مما حدث معي أن أحدهم دعاه شيطان الوصاية فنقل رابطًا مشباكيًّا زعم فيه الشفاء، فلما رجعت إلى ما فيه لم أجده شيئًا، ووجدته أكد - دون انتباه - ما قلته، وابتكر 3 ثلاثة أخطاء لا تقبل صرفًا ولا عدلًا. وبذلك عقبّت عليه.
6) أن يكون مستحضرًا أنه محكم وليس وصيًّا على قاصر يظل يلقي عليه أوامره.
من ذلك أن محكمًا تباكى بأن الانتقادات الموجهة إلى كاتب مترجم - وليس فيها أمر شخصي ولا شتم - غيبة نهانا عنها ديننا الحنيف!!، و لو كان الأمر كما زعم ما صح للمظلوم أن يذكر مظلمته أمام القاضي أو أي سلطة تنصفه، ولما صحّ كذلك أن نصف من يجاهر بالفحشاء ومنكرات الأفعال والأقوال بأنه كذا وكذا؛ لأن ذلك بالتأكيد مما يكره. ولعله لا يعلم أن هذه غيبة مستحبة تتلاقح فيها الآراء وينمو بها العلم.
7) أن يعلم أن قوله رأي يحتمل الصواب والخطأ.
8) أن لا يسكت عن مخالفة صريحة لقواعد البحث العلمي، أو سرقة لجهود الغير، أو خطأ لغوي صريح.

في الختام، نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يغفر زلات ألسنتنا وفلتات أقلامنا، آمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1 ) بدون ميزانية أصلًا استطعت بمعونة من المتطوعين في كلية الآداب جامعة تعز إصدار عددين من «حولية كلية الآداب جامعة تعز» بمحكمين محترمين من جامعات القاهرة وعين شمس وإلمنيا وتعز. ونعطيهم أجورهم تسليمًا باليد. أكثر من عاونني أ. د. أحمد قاسم أسحم، ود. منذر أحمد إسحاق، ود. محمد الشميري، وأ. د. عبد الحكيم العشاوي. وكان أكثر العدد الثالث متوفرًا، ولم يصدر الذين جاءوا بعدي شيئًا، لأسباب لا تخفى على القارئ الحصيف.
(2 ) تكرم وانظر بحثنا في هذا الموقع: «مثل من جناية المشباك على البحث العلمي».

بواسطة : أ.د. عباس علي السوسوة
 0  0  79
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:40 مساءً الأربعاء 17 شوال 1443 / 18 مايو 2022.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.