• ×

04:10 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

أبو الحسن العامري ( رحمه الله )

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

= أبو الحسن العامري ( رحمه الله ) : ( * )
هو أبو الحسن محمد بن أبي ذر يوسف العامري النيسابوري ، من كبار الفلاسفة في القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) . ولد بمدينة نيسابور في مطلع القرن الرابع الهجري على الأرجح ، وقضى حياةً حافلةً بالعلم والتدريس والتأليف والترحال العلمي بين الحواضر الثقافية للعالم الإسلامي حينذاك .
وكان أبو الحسن العامري من أعلام عصره في الفلسفة ، وقد وضعه الشهرستاني في مصاف كبار الفلاسفة أمثال الكندي ، والفارابي ، وابن سينا .
وكانت له العديد من المؤلفات التي تناولت قضايا إسلامية وعلمية بالغة الأهمية في عصره ، والتي تدل دلالةً واضحةً على ثقافته الموسوعية الشاملة ، ومنها : مؤلفات في العقيدة ، والتفسير ، ومقارنة الأديان ، والأخلاق ، والتربية ، وعلم النفس ، والعلوم الطبيعية . توفي - رحمه الله تعالى - بنيسابور يوم 27 شوال 381هـ ( 6 يناير 992م ) .


== من الآراء التربوية لأبي الحسن العامري :
فيما يلي نستعرض أهم الآراء والأفكار التربوية التي وردت في كتابه ( الإعلام بمناقب الإسلام ) ، والتي منها ما يلي :
( 1 ) يُقرر العامري أن هناك علاقةً وثيقةً وطبيعيةً بين العلم والعمل ، وأن من الخطأ الفصل بينهما ، وفي هذا الصدد يُفنّد آراء الفلاسفة والباطنية الذين قالوا بنظرية العلم للعلم ، أي أن العلم يجب أن يُطلب لذاته ، بغض النظر عما إذا كان يُحقق أو لا يُحقق منافع عملية للفرد والمجتمع . وأوضح رفضه لمبدأ طلب العلم لذاته مؤكداً أن العلم إنما يُطلب من أجل العمل به ، والاستفادة منه في ترقية الحياة الإنسانية وتقدمها ، عن طريق استخدامه للقيام بالأعمال النافعة التي تُحقق الحياة الطيبة للفرد والمجتمع .
( 2 ) يُقسِّم العامري العلوم إلى مجموعتين رئيستين هما :
أ - العلوم الحكمية : ويقصد بها العلوم الفلسفية أو العقلية ، وتشمل الإلهيات والعلوم الرياضية والطبيعية ، ويُعَدُّ علم المنطق آلةً مُعينةً على دراستها . وقد دافع عن هذه العلوم ووجوب دراستها على أساس أن الوحي يوافق العقل ولا يتعارض معه ، وأن الإسلام يدعو إلى العلم النافع بكل أنواعه ، وأن دراسة العلوم الرياضية والطبيعية بوجهٍ خاص تُبيّن أن خلق الكون وتدبيره لا يقوم على الصدفة أو الفوضى أو العبث ؛ وإنما يقوم على النظام والحكمة ، وعلى قوانين لا تختلف . كما بيّن أن دراسة هذه العلوم لا تُحقق مجرد المعرفة النظرية بالظواهر الكونية والطبيعية بل تُحقق إمكانية السيطرة عليها والإفادة منها لأنها مُسخَّرة للإنسان ، ومن ثم يترتب على دراسة هذه العلوم منافع عملية واضحة ومتحققة في حياة الناس .
ب _ العلوم المِلِّـيَّة : ويُقصد بها العلوم الدينية الإسلامية ، وتشمل علوم الكلام ( التوحيد ) ، والحديث ، والفقه . وتُعدُّ علوم اللغة والأدب آلةً مُعينةً على دراستها . وقد دافع العامري دفاعاً مجيداً عن هذه العلوم ، وبيَّن شرفها وأهميتها لكونها تُستمد من الوحي ، وتخدم الدين ، ولأنها لا تقتصر على تحقيق مصالح الأفراد بل تُحقق مصالح الجماعة والإنسانية جمعاء . وأكد أنها ( أي العلوم الإسلامية ) أفضل من العلوم الفلسفية التي تقوم على العقل البشري الذي يُخطئ ويُصيب ؛ أما العلوم الإسلامية فتقوم على أساسٍ يقيني هو الوحي الإلهي . كما دافع العامري بقوةٍ ودرايةٍ عن كل علمٍ من العلوم الدينية مثل علم الحديث ، وعلم التوحيد ، وعلم الفقه .
( 3 ) اعتبر علوم اللغة العربية ( النحو والصرف ، والعروض والقافية ) ، وآدابها ( الشعر ، والخُطب ، والرسائل ، والأمثال ) بمنـزلة الأداة للعلوم الإسلامية ، وأن لهذه الأداة فضيلة تسهيلها ، وتيسير تعلمها وتعليمها .وأوضح أن للدراسات اللُغوية والأدبية مزايا عديدة في المجتمع المسلم .
( 4 ) أكد أن الثقافة في الإسلام تتميز بما يتميز به الإسلام نفسه من شمولٍ وتكاملٍ وعالميةٍ ومقدرةٍ على ترقية الحياة الإنسانية . فالشمول يعني أنها تتسع لتشمل جوانب الإسلام المتعددة من عقائد ، وعباداتٍ ، وتشريعاتٍ ، وأخلاقٍ ، وسياسةٍ ، وحضارة ، كما تشمل جوانب الحياة الإنسانية المادية والروحية . وأما التكامل فيعني اعتبار جوانب الحياة الإنسانية كلها وحدةً واحدةً متكاملة تعمل في تعاون وانسجام وتكامل . وأما العالمية فتعني الانفتاح على الثقافات الأُخرى انفتاح الثقة والأصالة ، لا موقف العِداء والانغلاق ، ولا موقف التبعية والشعور بالنقص . وأما المقدرة على ترقية الحياة الإنسانية فتأتي من الصلة الوثيقة بين العلم والعمل ، وهي الصلة التي تجعل العلم مرتبطاً بالإيمان ، وموجهاً لنفع الناس .
( 5 ) يُشير العامري إلى ظاهرة التخصص العلمي مؤكداً أن الإنسان بطبيعته مفطورٌ على طلب العلم ، وأن الإنسان لا يستطيع بمفرده دراسة جميع العلوم ولهذا وجد الاتجاه إلى التخصص الذي يتحدد بتأثير أحد عاملين ( أو باجتماعهما معاً ) وهما :
اختيار المتعلم نفسه .
اختيار الوالدين أو المربين والمشرفين على عملية التعليم .
ومعنى هذا أن على المربين والموجهين والمشرفين على التعليم أن يأخذوا بعين الاعتبار مسألة الاستعدادات والميول الفطرية التي تؤثر في اختيار المتعلمين لدراساتهم ، وتخصصاتهم العلمية .
( 6 ) يجب أن يتحلى العلماء المشتغلون بالعلوم الإسلامية بصفاتٍ تليق بشرف مهنتهم ، ومن هذه الصفات صفاتٌ عامة يشتركون جميعاً في وجوب التحلي بها ، وصفاتٌ خاصةٌ تعتبر أكثر وجوباً على بعضهم ؛ لارتباطها الوثيق بتخصصاتهم . وأشار إلى أن من أهم هذه الصفات : التحلي بمكارم الأخلاق ، واحترام التخصص ، وأهمية الاجتهاد ، وتسلح الدعاة بالمعرفة ، ووجوب تحقق الكفاءة العلمية في التخصص إذا وجد .
( 7 ) بيَّن الأهمية التربوية للعبادات في الإسلام ، وقسمها إلى قسمين هما:
أ الأهمية التربوية للعبادات بوجهٍ عام : وتتمثل في ثلاثة مبادئ هي :
( 1 ) مبدأ مراعاة الفروق الفردية بين الناس حتى يستطيع الجميع على اختلاف طبائعهم ، وتفاوت قدراتهم أن يقوموا بالتكاليف الشرعية ، وأداء العبادات بصورةٍ تحقق صلاح كلٍّ منهم في معاشه ومعاده .
( 2 ) مبدأ اتخاذ موقف عمراني ( حضاري ) من الحياة الإنسانية ، ويقوم على استخدام العلوم والصناعات في الصالح العام ، وإقامة العمران ، وحفظ الصحة . ولذلك يُحرِّم الإسلام كل عملٍ تخريبي أو مفسدٍ في الأرض .
( 3 ) مبدأ امتزاج المشقة بالمنفعة في التكاليف الإسلامية ؛ حيث إن طبيعة الحياة تقوم على ذلك ، وحتى العبادات ينطوي أداؤها على بعض المشقة الممكن احتمالها .
ب الأهمـية التربـوية لكل عبادةٍ على حده : فالصـلاة تُمثل ( العبادة النفسـانية ) ، لما تشتمل عليه من ذكرٍ لله تعالى ، وإخلاصٍ ، وخضوعٍ وخشوع . وهي تُمثل قمة التعبير النفسي والجسمي لخضوع العبد لربه . وهي متوسطة العدد فلا كثرة ، ولا قلة ، وهي محددة المعالم ، ومصونةٌ عن أنواع الكلام والاشتغال بالاهتمامات الدنيوية .
والصيام يُمثل ( العبادة البدنية ) وهدفه التربوي تطهير النفوس عن جميع ما يُدنسها من الآثام وتطهير شهواتها . ومن مزايا الصيام في الإسلام أنه لم يطل فيُمل ويضعف الجسم ، ولم يقصُر فلا يكون له أثر . وأنه عبادة مرتبطةُ بغيرها من العبادات ، وأنه ينتهي بالعيد والصدقة فتأخذ فيه النفوس حظها من السرور والبهجة .
والزكاة تُمثل ( العبادة المالية ) التي تشتمل على التطبع بالسماحة وبذل الأموال الثلاثة الحيوانية ، والنباتية ، والمعدنية ، والاستعانة بها على مصالح العباد والبلاد .
و الجهاد يُمثل ( العبادة الملكية أي السياسية ) وتعتبر ضرورةً للحياة الإنسانية ، وللعمران البشري ، ولرد العدوان دفاعاً عن الدين وقيمه . أما الحج فيُمثل ( العبادة المشتركة ) لأنها تشمل كل العبادات الأُخرى وتجمع كل مزاياها .
=-=-=-=

بواسطة : tarbnet
 0  0  5828
التعليقات ( 0 )