• ×

04:24 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

الشيخ عبيد الله الأفغاني رحمه الله .. بقلم د / محمد الحازمي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ عبيد الله الأفغاني رحمه الله

خطبة ألقاها الدكتور محمد الحازمي في مسجد الراجحي بأبها ضمن خطب الجمعة
وقد خصصت للحديث عن الشيخ الأفغاني بتاريخ 14 - محرم - 1434هـ




image
صورة الشيخ عبيد الله الأفغاني رحمه الله

" تظل سير الصالحين معيناً لا ينضب وزاداً لا ينفد وعبرة لمن اعتبر . وفي هذا اليوم سأتناول سيرة رجل يعد من بقية السلف الصالح وإن مات قبل أسبوع عاش زاهدًا تقيًا نقياً في عصر قل من يسلم فيه من جيوش الإغراء والإفساد برنامجه اليومي للقرآن الكريم تلاوة وتدريسًا وتفسيرًا وتجويدًا ... يقضي مع آي القرآن الكريم ما يزيد على عشر ساعات في اليوم والليلة هذا فيما يبدو لمن عايشه إنه عالم من العلماء زاهد من الزهاد وأحد بقية السلف الصالح في زماننا ، لا أطيل عليكم عباد الله في الأوصاف وأقول لكم حديثي اليوم عن شيخنا الجليل عبيد الله الأفغاني الذي انتقل إلى جوار ربه قبل أسبوع بعد عمر بلغ بضعًا وتسعين سنة قضى أكثرها معلمًا للقرآن ذاكراً للرحمن داعية إلى الإسلام لم يدع فيما نعرف تطوعاً من صيام أو قيام ولا صلة للأرحام ولا البر ولا الإحسان إلا كان له فيه السبق والإقدام لا أقول ما أقول يا عباد الله تزلفاً ولا إطراء .
ولكنه الحق الذي إن كتمته شعرت بأني فادح الجرم آثم
فالرجل قد غادر الحياة وينتظر منا ومنكم الدعاء له بالرحمة والغفران .
عباد الله هذا الرجل العجيب كان لي شرف جواره سنين وأحدثكم عنه بما أخبرني وأصف لكم من حاله ما رأيت رحمه الله رحمة واسعة .
ولد في بلاد الأفغان وتلقى على شيوخ بلاده القرآن الكريم بقراءاته والتفسير والحديث والفقه والنحو ثم تاقت نفسه رحمه الله للسفر إلى الحرمين الشريفين لكنه في البداية تردد لصعوبة الطريق وقلة الزاد مع بعد المسير ، وذات يوم جزم أمره وحزم أمتعته وعزم على المسير . أما السبب فأنقل لكم ما ذكره لي :
فقد كنت أقرأ عليه رحمه الله في سورة آل عمران فلما وصلت آية " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " .
قال لي رحمه الله حسبك قف : أتعلم أن لي مع هذه الآية قصة وأنها غيرت مجرى حياتي . ثم بدأ يسرد لي قصته كيف كان متردداً حتى مر على هذه الآية وكيف كانت رحلته شاقة وكيف ركب البحر وأين نزل أول ما نزل في السعودية يقول رحمه الله وصلت بعد رحلة البر والبحر إلى اليمن ومن اليمن توجهت شمالاً حتى دخلت إلى سامطة في جازان فقصدت مسجدها فإذا بي أجد طلاباً متحلقين بعد الفجر يدرسهم القرآن الكريم الشيخ الجليل العلامة حافظ بن أحمد الحكمي يقول فجلست داخل الحلقة فما وصل الدور إليّ قرأت نصيبي من القرآن فما كان من الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله إلا أن قام من مجلسه وأجلسني مكانه وقال لا مُقام لي بوجودك درسهم أنت وأنا اشتغل بأمر آخر يقول رحمه الله فبقيت حوالي شهراً في تلك الأجواء الإيمانية الرائعة ثم لم يناسبني الجو في تهامة ، ولا شك أنه جاء من بلاد باردة إلى منطقة أيامنا هذه فيها مع بردها القارس حارة فكيف بفصل الصيف القائظ . وكأن صحته اعتلت فوجه صوب الشمال لا يدري ما أمامه ولا أين الطريق فقدر الله سبحانه لهذا الرجل المبارك أن ينزل في أبها فارتاحت نفسه إلى الجو وإلى الناس ودخل المسجد وفي تلك الأيام كان قضاة أبها وعلماؤها كالشيخ العلامة الوابل والشيخ الحديثي والشيخ الحماد وغيرهم كانوا يعلمون الناس في المساجد مع القيام بواجب الدعوة والقضاء فجاء هذا الرجل الأفغاني بعمامته وهيئته ووقاره وبدأ يدرس القرآن وكان التجويد في المنطقة آنذاك لا يطبق وكان الشيخ متقناً للتجويد يؤديه تمام الأداء فظن المشايخ آنذاك أن ذلك من التكلف في القراءة وانقبضوا عنه في البداية قال لي الشيخ عبيد الله فوقعت في حيرة من أمري كيف أقنعهم بضرورة التجويد وهم القضاة ويصعب أن يتلقوا مني وأنا الغريب الأجنبي عنهم المجهول حالي واتجاهي ومذهبي .
قال : وذات يوم وقعت عيني على نص في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول فيه بوجوب تعلم التجويد وقراءة القرآن بالتجويد فدفعت بالنص إليهم فلما قرأوه وجهوا أولادهم اليوم الثاني إلى المسجد الذي أدرس فيه .
قال لي رحمه الله : وقدر الله للملك خالد رحمه الله زيارة أبها عام 1396هـ يقول وكان الملك خالد رحمه الله محباً للعلماء فلازم الشيخ العلامة الوابل في تلك الزيارة وفي أثناء جلوسهما متجاورين طلب الشيخ الوابل من الملك خالد أن يعطيني الجنسية يقول وعلى الفور مال الملك خالد إلى وزيره سمو الأمير نايف فكلفه بالأمر وفي خلال أيام كانت الجنسية قد منحت لي يقول فعدت إلى أهلي بعد غياب دام أكثر من عشرين سنة فوصلتهم في أفغانستان وبقيت معهم أياماً .
عباد الله : أما الأعجب في حياة هذا الرجل ولست مبالغًا فيما أقول ويصدّق كلامي - إن شاء الله بعضُ من يحضر الآن منكم ممن يعرف الشيخ : العجيب أنه يومياً يصل إلى المسجد قبل صلاة العصر بحوالي ساعة وقد سجل طلابه أسماءهم في دفتر مخصص بالترتيب الأول فالأول فيصلي تحية المسجد ويدعو بما شاء الله له أن يدعو ثم ينادي على الأول ويسمع منه قريب الصفحتين من القرآن ثم ينادي على الثاني وهكذا ويستمر في جلسته في المسجد لا يخرج إلى بعد العشاء الآخرة بقليل .
وقبل صلاة الصبح بأكثر من ساعة يكون قد وصل للمسجد وصلى تحية المسجد ونادى على المسجِّلين ويستمر كذلك إلى تمام السابعة صباحاً لا يقطعه إلا الصلوات المكتوبة ولا يخرج في الساعة السابعة إلا إلى دوامه في المعهد العلمي بأبها .
رحمه الله رحمة واسعة لقد أثر هذا الجلوس على صحته وأصيب بأمراض دخل على إثرها المستشفى مراراً وهو مصمم على الاستمرار . بقي رحمه الله في أبها قريباً من ثلاثين سنة يشيد البناء ليس من الأحجار والطين ولكنه بناء من أنفس المؤمنين نرى آثار هذا البناء اليوم في أحوال منطقتنا من دون مبالغة فمع المد التغريبي المعاصر والفضاء المفتوح ووسائل الإغراء التي غزت البيوت والنفوس نجد أن منطقتنا من أقل المناطق تأثراً ولله الحمد والمنة ، وبقيت آثار هذا الرجل الصالح والعلماء العظماء الذي كانوا يؤازرونه كالشيخ الوابل والحديثي وابن شايع والمعافى رحمهم الله وغيرهم وغيرهم كثير منهم من اخترمتهم يد المنون وقليل من ينتظر وما بدلوا تبديلا .
نسال الله لشيخنا ولجميع أمواتنا وأموات المسلمين جنات عرضها السموات والأرض مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ...
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم ..

الخطبة الثانية
قبل بضع عشرة سنة توجه رحمه الله إلى طيبة الطيبة مدينة الرسول صل الله عليه وعلى آله وسلم , وكانت أمنية له حدثني عنها مراراً فنعم بجوار خير البرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، زرته رحمه الله وهو مستند إلى سارية من سواري المسجد النبوي الشريف وهو على حالته التي كان عليها وعلى برنامجه العظيم وكان قد اعتلت صحته فأدخل يده في جيبه وأخرج طيباً ليطيبني فاضطربت يده واهتزت من الرعاش فقلت له مداعباً ما هذا يا شيخ ؟ وأشرت إلى يده ففهمني وقال : المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء فوقف شعر رأسي ولم أستطع أن أرد عليه بكلمة . عباد الله ذلكم الرجل العظيم الطود الشامخ إنه من البشر وإن كان في عمله كالملاك ، ووالله إنني على كثرة ما قرأت من سير العلماء وقابلت ورأيت بعضهم ما رأيت في حياتي رجلاً يشبهه في تفرغه للعمل الصالح ولخدمة كتاب الله ولنفع أبناء المسلمين وما تمنيت أن القى الله إلا بعمل كعمله ويشهد الله أننا نحبه فيه ، قابل شيخنا الأفغاني يوماً أحدُ طلابه الصالحين نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً فقال له يا شيخ ، رأيت البارحة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - في المنام - فقال أتعرف الشيخ الأفغاني فقلت نعم فقال الرسول صل الله عليه وآله وسلم للطالب الصالح في المنام أخبره أنه من خير من يمشي على الأرض فذهب التلميذ للشيخ الأفغاني وأخبره بالرؤيا فاغرورقت عيناه بالدموع وبكى بكاء حاراً ولم يزد على أن صلى على الرسول صل الله عليه وآله وسلم واستمر في نهجه ، وذكرتني هذه الرؤيا بتلك المرآة التي اتصلت بشيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله قبل وفاته في برنامج إذاعي وسألته عن رؤيا رأتها في المنام لرجل يطوف بالكعبة عريان كيوم ولدته أمه فقال لها الشيخ ابن عثيمين هذا الرجل تغفر له جميع ذنوبه ويخرج منها كيوم ولدته أمه فقالت له والله أنت الذي رأيته في المنام فتغير صوت الشيخ من البكاء .
عباد الله : أختم حديثي بالعبرة من هذه القصة قصة حياة شيخنا عبيد الله الأفغاني رحمه الله فأقول : فضل هذا الرجل على أبها خاصة ومنطقة الجنوب عامة فضل عظيم فلنرد الجميل بكثرة الدعاء له بالمغفرة أولاً , وبأن نسير على نهجه وإذا عجزنا أن نجلس كجلوسه في المسجد فلا أقل من أن نكفل حلقة للقرآن الكريم أو داراً نسوية لتحفيظ القرآن ولندفع بأولادنا وبناتنا إلى حلقات القرآن الكريم فهذا أقل ما يقدم . اللهم اغفر لشيخنا الفقيد وجازه عنا وعن المسلمين خيراً نظير ما قدم واغفر لجميع موتى المسلمين والمسلمات وصلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعامين ...

بقلم د / محمد الحازمي
أستاذ بقسم اللغة العربية - جامعة الملك خالد
إمام وخطيب مسجد الراجحي بأبها
بواسطة : tarbnet
 0  0  4020
التعليقات ( 0 )