• ×

04:21 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

الأخلاق .. د. رجاء المحضار

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بسم الله الرحمن الرحيم
الأخلاق

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين المتمم لمكارم الأخلاق ، والمشهود لو بالأسوة الحسنة والخلق العظيم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد
سنتحدث في لقاءنا الطيب هذا والمبارك بإذن المولى تعالى عن الغاية الأولى من بعثة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ألا وهي إتمام مكارم الأخلاق ومن خلال الحديث عن تمام المكارم سنعرج للحديث عن العبادات المفروضة وأثرها في تكوين مكارم الأخلاق ، كما سنعرج للحديث عن الأخلاق وعلاقتها بالإيمان ، وكيفية تنميتها وتكوينها ، وهل هي فطرية أم مكتسبة وهــــــــل
بالإمكان اكتساب الأخلاق الفاضلة ، وسنفرد بالحديث عن واحدةٍ من تلك الفضائل ألا وهي سلامة الصدر من الحقد والحسد .
فلقد حدد رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم الغاية الأولى من بعثته والمنهاج المبين في دعوته بقوله : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "موطأ مالك
فكأن الرسالة المحمدية التي خطت مجراها في تأريخ الحياة ، وبذل صاحبها جهداً كبيراً في مد شعاعها وجمع الناس حولها ، لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم وأخلاقهم ، وانارة آفاق الكمال أمام أعينهم حتى يسعوا إليها على بصيرة .
والإسلام دين حياة فنجد أن الفرد المسلم في كل مجالات الحياة متخلقاً بأخلاق الإسلام فالعبادات التي شرعت في الإسلام واُعتُبرت أركاناً في الإيمان ، هي ليست طقوساً مبهمة من النوع الذي يربط الإنسان بالغيوب المجهولة ، ويكلفه بأداء أعمال غامضة وحركات لا معنى لها . كلا وألف كلا ، فهي تنعكس على السلوك الاجتماعي ، فالفرائض التي ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه ، هي تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة ، وأن يظل مستمسكاً بهذه الأخلاق ، مهما تغيرت أمامه الظروف . .
إنها أشبه بالتمارين الرياضية التي يقبل الإنسان عليها بشغف ، ملتمساً من المداومة عليها عافية البدن وسلامة الحياة .
والقرآن الكريم والسنة المطهرة ، يكشفان بوضوح عن هذه الحقائق .
* فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها فقال تعالى " اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر والله يعلم ما تصنعون " العنكبوت / 45



فالبعد عن الرذائل ، وتطهير النفس من سوء القول وسوء العمل ، هو حقيقة الصلاة ، وقد جاء في حديث يرويه النبي عمليه أفضل الصلاة وأتم التسليم عن ربه جل جلاله : " إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، ولم يستطل على خلقي ، ولم يبت مصراً على معصيتي ، و قطع النهار في ذكري ، ورحم المسكين وابن السبيل و الأرملة و رحم المصاب " البزار
ففي الصلاة صفة عظيمة وهي التواضع للرحمن جلا وعلا ، وعدم التطاول على الخلق كما أنها تنهى عن ارتكاب المعاصي والإصرار عليها وتُعين على ذكر الله سبحانه وتعالى .

** والزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب ، بل هي غرس لمشاعر الحنان والرأفة ، وتوطيد لعلاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات.

وقد نص القرآن على الغاية من إخراج الزكاة بقوله :" خُذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتُزكيهم بها " التوبة / 103
فتنظيف النفس من أد ران النقص والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى .
ومن أجل ذلك وسع النبي صلى الله عليه وسلم في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها المسلم فلم تقتصر الصدقة على تقديم المال فقط بل قال صلى الله عليه وسلم : " تبسمك في وجه أخيمك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة ، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة ، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة " . البخاري
وهذه التعاليم في البيئة الصحراوية التي عاشت دهوراً على التخاصم تشير إلى الأهداف التي رسمها الإسلام ، وقاد العرب في الجاهلية المظلمة إليها .

*** وكذلك شرع الإسلام الصوم ، فلم ينظر إليه على أنه حرمان مؤقت من بعض الأطعمة والأشربة ، بل اعتبره خطوة إلى حرمان النفس دائماً من شهواتها المحظورة ونزواتها المنكرة .
وإقراراً لهذا المعنى قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " . البخاري
وقال" :ليس الصيام من الأكل والشرب ، إنما الصيام من اللغو والرفث ، فإن سابك أحد ، أو جهل عليك ، فقل : إني صائم " . ابن خزيمة
والقرآن الكريم في محكم كتابه يذكر ثمرة الصوم بقوله تعالى : " كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " . البقرة / 183



وقد يحسب الإنسان أن السفر إلى البقاع المقدسة الذي كُلف به المستطيع واُعتبر من فرائض الاسلام على بعض أتباعه يحسب الانسان أن هذا السفر رحلة مجردة عن المعاني الخلقية ، ومثلاً لما قد تحتويه الأديان أحياناً من تعبدات غيبية ، وهذا خطأ ، إذ يقول تعالى في الحديث عن هذه الشعيرة : " الحج أشهرٌ معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ". البقرة / 197
هذا العرض المجمل لبعض العبادات التي أشتهر بها الإسلام ، وعرفت على أنها أركانه الأصيلة ، نستبين منه متانة الأواصر التي تربط الدين بالخلق ، إنها عبادات متباينة في جوهرها ومظهرها ، ولكنها تلتقي عند الغاية التي رسمها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .
فالصلاة والزكاة والصيام والحج ، وما أشبه هذه الطاعات من تعاليم الإسلام ، هي مدارج الكمال المنشود ، وروافد التطهر الذي يصون الحياة
ويعلي شأنها ، ولهذه السجايا الكريمة التي ترتبط بها أو تنشأ عنها - أعطيت منزلة كبيرة في دين الله .فإذا لم يستفيد المرء منها ما يزكي قلبه ، وينقي لبه ، ويهذب بالله وبالناس صلته ، فقد هوى .
قال الله تعالى : " إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ، ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ، جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى " . طه / 37-76

فالإيمان قوة عاصمة عن الدنايا ، دافعة إلى المكرمات ، ومن ثم فإن الله عندما يدعو عباده إلى خير أو ينفرهم من شر يجعل ذلك مقتضى الإيمان المستقر في قلوبهم وما أكثر ما يقول في كتابه : " يا أيها الذين آمنوا " ثم يذكر بعد ه ما يكلفهم به ....... ".اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " مثلا ( التوبة ) .
وقد وضح صاحب الرسالة أن الإيمان القوي يلد الخلق القوي حتماً ، وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان أو فقدانه ، بحسب تفاقم الشر أو تفاهته .. فالإنسان المعوج السلوك الذي يقترف الرذائل غير آبه لأحد .. يقول رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم في وصف حاله : " الحياء الإيمان قرناء جميعاً فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر ! " الحاكم والطبراني .
والإنسان الذي يرمي جاره بالسوء يحكم عليه الدين حكماً قاسياً فيقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : " والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، قيل من يا رسول الله ؟ قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه !! " البخاري
وتجد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يُعلّم أتباعه الإعراض عن اللغو ، ومجانبة الثرثرة والهذر يقول : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت " . البخاري

وهكذا يمضي في غرس الفضائل وتعهدها حتى تؤتي ثمارها ، معتمداً على صدق الإيمان وكماله .

على أن بعض المنتسبين إلى الدين قد يستسهلون أداء العبادات المطلوبة، ويظهرون في المجتمع العام بالحرص عمى إقامتها وهم في الوقت نفسه يرتكبون أعمالاً يأباها الخلق الكريم والإيمان الحق .
إن نبي الإسلام توعد هؤلاء الخالطين وحذر أمته منهم ، فالحكم على مقدار فضل الفرد وروعة سلوكه يرجع إلى الخُلق العالي .
وفي هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلً قال له : يا رسول الله ، فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ، فقال : " هي في النار " ثم قال : يا رسول الله فلانة تذكر عن قلة صلاتها ، وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط بالقطع من الجبن ولا تؤذي جيرانها . قال : " هي في الجنة ! " رواه أحمد
وفي هذه الإجابة تقدير لقيمة الخُلُق العالي وفيها كذلك تنويه بأن الصدقة عبادة اجتماعية ، يتعدى نفعها إلى الغير ، ولذلك لم يفترض التقليل منها كما افترض التقليل من الصلاة والصيام ، وهي عبادة شخصية في ظاهرها ( بالطبع الحديث عن الصلاة والصيام هنا خاص بالنوافل وليس الأركان ( .
فأمر الخُلق أمرٌ عظيم فلقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوماً : (( أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطي هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثم طرح في النار )) . رواه مسلم
ذلك هو المفلس : إنه كتاجر يملك في محله بضائع بألف ، وعليه ديون قدرها ألفان ، وكيف يعد هذا المسكين غنياً ؟؟ والمتدين الذي يباشر بعض العبادات كالصلاة والصيام ، ويبقى بعدها كالح
الوجه بادي الشر قريب العدوان ، كيف يحسب امرأً تقياً ؟؟
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لهذه الحالات مثلاً قريباً قال " الخُلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد ، والخُلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل" البيهقي .
فإذا نمت الرذائل في النفس ، وفشا ضررها ، وتفاقم خطرها ، انسلخ المرء من دينه كما ينسلخ العريان من ملبسه ، وأصبح ادعاؤه للإيمان زوراً ، فما قيمة دين بلا خُلق .
فليست الأخلاق من مواد الترف التي يمكن الاستغناء عنها ، بل هي أصول الحياة التي يرتضيها الدين ويحترم ذويها .



فعن أسامة بن شريك قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسنا الطير ، ما يتكلم منا متكلم ، إذ جاءه أناس فقالوا : من أحب عباد الله إلى الله تعالى ؟ قال : " أحسنهم خُلقاً " الطبراني .
وقال : " إن الفحش والتفحش ليسا من الاسلام في شيء ، وإنّ أحسن الناس إسلاماً ، أحسنهم خُلقاً " . الترمذي
وسئل " أي المؤمنين أكمل إيماناً ؟ قال : أحسنهم خُلقاً " . الطبراني
وعن عبدالله بن عمرو : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ألا أخبركم بأحبكم إلي ، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة ؟ فأعادها مرتين أو ثلاثاً قالوا : نعم يا رسول الله ، قال : أحسنكم خُلقاً " رواه أحمد .
وقال : " ما من شيء حسن ، إن الله يكره الفاحش البذيء . وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة " . رواه أحمد .
وفي هذا الحديث الدلالة الواضحة على منزلة الخُلق في الإسلام وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على توكيد هذه المبادئ العادلة حتى لا تهون الأخلاق لدى أمته فعن أنس رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن العبد ليبلغ بحسن خُلقه عظيم درجات الآخرة ، وأشرف المنازل ، وإنه لضعيف العبادة ،وإنه ليبلغ بسوء خُلقه أسفل درجة في جهنم " الطبراني.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن المؤمن ليدرك بحسن خُلقه درجة الصائم القائم ". وفي رواية : " أن المؤمن ليدرك بحسن الخُلق درجات قائم الليل وصائم النهار " . أبو داود
وحسن الخُلق لا يؤسس في المجتمع بالتعاليم المرسلة ، أو الأوامر والنواهي المجردة ، إذ لا يكفي في طبع النفوس على الفضائل أن يقول المعلم لغيره ، افعل كذا ، أو لا تفعل كذا ، فالتأديب المثمر يحتاج إلى تربية طويلة ، ويتطلب تعهداً مستمراً .
ولن تصمح تربية إلا إذا اعتمدت عمى الأسوة الحسنة فالرجل السيء لا يترك في نفوس من حوله أثراً طيباً . وانما يتوقع الأثر الطيب ممن تمتد العيون إلى شخصه فيروعها أدبه ، ويسبيها نبله وتقتبس بالإعجاب المحض من خلاله وتمشي بالمحبة الخالصة في آثاره ، وليحصل التابع على قدر كبير من الفضل لابد أن يكون في متبوعة قدر أكبر وقسط أجل ، فلقد كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم مثلاً أعلى للخلق الذي يدعو إليه ، فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامي بسيرته العطرة ، قبل أن يغرسه بما يقول من حكم وعظات .
فعن أنس قال : خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، والله ما قال لي : أفٍّ قط ، ولا قال لشيء : لِمَ فعلت كذا ؟ وهلاَّ فعلت كذا ؟ " . رواه مسلم .
وعن عبدالله بن الحارث : ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
الترمذي


والمعروف في شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان سمحاً لا يبخل بشيء أبداً ، شجاعاً لا ينكص عن حق أبداً ، عدلاً لا يجور في حكم أبداً ، صدوقاً أميناً في أطوار حياته كلها .

وقد أمر الله المسلمين أن يقتدوا به في طيب شمائله وعريق خِلاله فقال عز من قائل (( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنه لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً )) الاحزاب / 21
والمعروف أن الخُلق لا يتكون فجأة ، ولا يولد قوياً ناضجاً ، بل يتكون على مكث وينضج على مراحل . وهذا سر ارتباط نمائه بأعمال متكررة ، وخِلال لها صفة الدوام كالصلاة والزكاة والتصديق بيوم الجزاء والإشفاق من عقاب الله ......... الخ .
واذا كانت الطباع الرديئة دائمة الإلحاح على صاحبها تحاول العوج بسلوكه بين الحين والحين ، فلن يكفكف شرها علاج مؤقت . وانما يسكن ثوراتها عاملٌ لا يقل قوة عنها ، يعيد التوازن على عجل إذا اختل .
فالإسلام يحترم الفطرة الخالصة ، ويرى تعاليمه صدى لها . ويَحذر الأهواء الجامحة ويقيم السدود في وجهها ، والعبادات التي أمر بها هي تدعيم للفطرة ، وترويض للهوى ، ولن تبلغ هذه العبادات تمامها وتؤدي رسالتها إلا إذا كانت كلها روافد لتكوين الخلق العالي والمسلك المستقيم . فالمسلم مكلف أن يلقى أهل الأرض قاطبة بفضائل لا ترقى إليها شبهة ، فالصدق واجب على المسلم مع المسلم وغيره ، والسماحة والوفاء والمروءة والتعاون والكرم وسلامة الصدر من الحقد والحسد الخ .
فالخُلق في منابع الإسلام الأولى من كتاب وسنة هو الدين كله وهو الدنيا كلها ، فإن نقصت أمة حظاً من رفعة في صلتها بالله ، أو في مكانتها بين الناس . فبقدر نقصان فضائلها وانهزام خُلقها .
فهناك أخلاق يتفضل الله عز وجل على بعض خلقه فيجبلهم عليها ، ويطبعهم بها ، عن غير كسب منهم ولا جهد ، فمثل هذه فضل ومنّة على من أوتيها ، ومن لم يؤتها مكلف بمجاهدة نفسه ، لكي يأطرها عمى الحق أطرا ، ويجرها إلى الجنة بالسلاسل ويلزمها كسر هواها ، وتغليب رضا الرب على ما سواه ، إلى أن تصبح هذه الصفات الفاضلة خُلقاً مكتسباً بعد الترويض والمجاهدة ، والى أن يكتسبها يحتاج إلى أن يتكلف فعل هذه الأخلاق الفاضلة فيؤدي تكراره لها وتعوده عليها إلى ترشحها في قلبه وانقلابها مع الزمن إلى طبع ثابت وخُلق أصيل ، ولذلك جاء في الحديث " ومن يستعفف يعفّه الله ، ومن يتصبر يصبره الله " وهكذا كل الأخلاق بالتشجع يصبح شجاعاً ، وبالتسامح يصبح سمحاً ، وبالتورع يصبح ورعاً . والسعيد من وفقّه الله للصبر على المجاهدة إلى أن تتأصل فيه الأخلاق الفاضلة ويكتسبها . والفضائل والأخلاق التي دعا لها الإسلام أجل من أن تحصى فلقد دعا إلى فضيلة الصدق والوفاء بالعهد والحكمة والعدل والرأفة والرحمة والرفق والصبر ،


والشجاعة وسلامة الصدر من الحقد والحسد وبشاشة الوجه عند اللقاء والحلم والصفح والقصد والعفاف والنظافة والتجمل والإخاء والاتحاد والإخلاص والعزة
والأمانة وأدب الحديث وغيرها كثير

وسنتحدث الآن عن واحدةٍ منهن آلا وهي سلامة الصدر من الحقد والحسد :-
إن من عظم نعم الله تبارك وتعالى أن يعيش الإنسان سليم القلب مبرءاً من وساوس الضغينة والأحقاد منزهاً عن الحسد .
وبذلك يحيا الإنسان ناصع الصفحة راضياً عن الله وعن الحياة وعن العباد ، ومستريح النفس من نزعات الحقد ومن نزوات الحسد .
فإن فساد القلب بالضغائن والحسد داء عياء ، ومرض عُضال ، وما أسرع أن يتسرب الإيمان من هذا القلب المريض .
قال الله تعالى " والذين تبوّءوُ الدار والإيمان من قبلهم يُحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " . الحشر / 9 " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين ءامنوا ربنا إنك رءوفٌ رحيم ". الحشر /10
عن عبدالله بن عمرو قيل : يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال : كل محموم القلب صدوق اللسان ، قيل صدوق اللسان نعرفه ، فما محموم القلب ؟ قال : هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ول حسد " . ابن ماجة / 4216
وقال عليه الصلاة والسلام " لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ". البخاري
فسلامة الصدر تفرض على المؤمن أن يتمنى الخير للناس فإن ذلك من مكارم الأخلاق ، وسلامة الصدر فضيلة تجعل المسلم لا يضمر للناس حقداً ولا غلبً لأن صدره قد امتلأ حباً وسلامة للآخرين .
ثم إن المسلم يجب أن يكون أوسع فكراً وأكرم عاطفةً من الذين امتلأت قلوبهم حقداً وحسداً على غيرهم .
فالحقد حمل ثقيل تعب حامله ، ويحمله الجاهل في صدره فيُشقي به نفسه ، ويُفسد به فكره ، ويشغل به باله ، ويقض به مضجعه ، ويكثر به همه وغمه .
فالإنسان الحاقد يشبه من يحمل على ظهره شوكاً ملتهباً نا راً يكوي نفسه ويشقي حاله ويُدمي ظهره .
لذلك أهاب الإسلام بالناس أن يبتعدوا عن هذا المنكر وأن يسلكوا نهجاً أرقى واهدأ فالصاحب الصدر السليم من الحقد والحسد منزلة عالية في الدنيا والآخرة وهذا ما رغب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أنس بن مالك قال " كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه

وسلم فقال : يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة ، فطلع رجلٌ من الأنصار تنطق لحيته من وضوئه ، قد علق نعليه بيده الشمال ، فلما كان الغد قال النبي مثل ذلك ، فطلع ذاك الرجل مثل الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي مثل مقالته ، فطلع ذاك الرجل على مثل حاله الأولى .

فلما قال النبي تبعه عبدالله بن عمرو تبع الرجل فقال إني احيت أبي ، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً ، فإن رأيت أن تؤويني حتى تمضي فعلت ! قال : نعم .

قال أنس فكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعارَّ تقلب في فراشه ذكر الله عز وجل حتى ينهض لصلاة الفجر قال عبدالله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً .
فلما مضت الليالي الثلاث وكدت احتقر عمله ، قلت يا عبدالله : لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت انت الثلاث مرات ، فأردت أن آوي إليك ، فأنظر ما عملك فأقتدي بك ، فلم أرك عملت كثير عمل !! فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت ،قال عبدالله بن عمرو ، فلما وليت دعاني . فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه ، فقال عبدالله بم عمرو : هذه التي بلغت بك " . أخرجه أحمد .
كما أن الإسلام حرم الحسد وأمر الله رسوله أن يستعيذ من شرور الحاسدين ، لأن الحسد جمرة تتقد في الصدور فتؤذي صاحبها وتؤذي الناس به .
فالحسد من الرذائل الخلقية ذات النتائج النفسية والاجتماعية السيئة جداً على الأفراد والجماعات وهو داء فتاك إذا أصاب نفس الإنسان أضناها وأشقاها وجعلها مصدر أذى للآخرين.
والحسد من شر معاصي القلوب ، ومعاصي القلوب أشد إثماً من كثير من
معاصي الجوارح نظراً إلى أثارها الخطيرة في السلوك .
قال تعالى " ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردوكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيءٍ قدير " البقرة / 109
ويقول تعالى" أم يحسدون الناس على ما أماهم الله من فضله فقد ءاتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتينهم ملكاً عظيما " . النساء / 54
ويقول تعالى " ومن شر حاسدٍ إذا حسد " الفلق / 5
وقال عليه الصلاة والسلام " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " . أبو داود .
وقال عليه الصلاة والسلام : دب إليكم داء الأمم قبلكم البغضاء والحسد "أحمد .
وقد عرف العلماء الحسد بأنه حب زوال النعمة عن المنعم عليه ، أما إذا أحب نعمة الغير أن تكون عنده ولم يتمنى زوالها فهذا يسمى غبطة وهو ممدوح .
والإنسان الذي يكره المنعم عليهم ، ويود لو يمسون محرومين ويصبحون ضائعين ، رجل ضللته عن حقيقة الحياة ظلمات شتى ، حيث أنه قد حصر فكره بالدنيا وحطامها وأخذ يقاتل عليها ويبكي من ورائها ويتبع بالغيظ والحسد من نالوا نصيباً منها ، ماذا يستفيد الحاسد من حسده ؟ إنه لا يجني إلا الآم الحرمان ونيران الغيرة ، إنه يعيش مع نفسه في بركان من التعاسة والشقاء .

لأنه لم ينظر إلى كنوز الله الملآى وبحر عطائه العظيم ولم يعلق قلبه بطلب ما عند الله من فضل وخير ونعمة .
ولكن تضيق عينية وتضيق نفسه ، فلا ينظر إلا لما في أيدي الناس من نعم ، فتدفعه أنانيتة إلى حب الاستئثار بكل نعمه وتمني كل النعم له وحده وكراهية ذوي النعم .
قال الشاعر :-
أيا حاسداً لي على نعمتي = أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه = لأنك لم ترضى لي ما وهب
فجازاك ربي بأن زادني = وسد عليك وجوه الطلب

آثار الحسد على الفرد :-
- 1 يصيب صاحبه بالحسرات وسقام الجسد ثم لا يجد لحسرته انتهاء .
- 2 انخفاض منزلته وانحطاط مرتبته ونفور الناس عنه وقد قيل في منثور الحكم " الحسود لا يسود " .
- 3 مقت الناس له حتى لا يجد فيهم محباً .
- 4 سخط الله تعالى عليه لاعتراضه على قضاء الله وقدره .

آثار الحسد على المجتمع :-
عندما ينتشر الحسد في مجتمع ما فإنه ينجم عنه شرور كبرى منها الغيبة والنميمة والبغي والعدوان والظلم والاتهام وافتراء الكذب والجور في الحكم والغش والقتل وهكذا يقود إلى كل جريمة قبيحة منكرة .
كما أن الحسد يقطع وشائج المودات وصلات القربات ويفسد الصداقات ويولد في الناس العداوات ويباعد بين الجماعات ويفكك أفراد المجتمع .
ولكن ما علاج داء الحسد إذا حل في إنسان :-
على الإنسان أن يبادر فوراً بالعلاج إذا أحس أنه قد أصيب بالحسد ، فإنه ربما يتغلغل في نفسه وينتشر في قلبه وقد يصعب بعد ذلك علاجه ، ومن الأمور المعينة عمى ذلك :-
- 1 أن يصحح الإنسان مفاهيمه بالقناعات الكافية المتصلة بقواعد الإيمان وأسسه الفكرية ويكون ذلك بتربية النفس على الإيمان الكامل بالله تعالى وبقضائه وقدره والتبصر بعظيم قدرته جلا وعلا .

- 2 كف البصر عما وهب الله الناس من نعم وما فضلهم به من عطايا وهبات ، فإن الله يرزق من يشاء بغير حساب . كما أنَّ عليه أن يحصر بصره بنعم الله تعالى عليه وما عند الله من خير وفضل .

- 3 و من علاج الحسد أن تتعمق النفس بأعمال الآخرة والمنافسة عليها ، أي فليشغل الإنسان نفسه بالعمل للآخرة والإكثار من الأعمال الصالحة ، والمنافسة عليها وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
والأدب الإسلامي المطلوب حينما يرى الإنسان شيئاً لغيره فيستحسنه أو يعجبه أن يقول " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " وأن يدعو لصاحب النعمة بالخير والبركة .
"اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ، اللهم إنَ نسألك
فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين ، اللهم أهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي
لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت ، واجعلنا أخوة متحابين واجمع كلمتنا على الحق والهدى وألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا وانصرنا على من عادانا وأخرجنا من الظلمات إلى النور واهدنا سبل السلام برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى اللهم على سيدنا سيد الخلق محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
هذا ما وفقتا الله تعالى إليه وأعاننا عليه وبصرنا به فهو المنعم والمتفضل ، فإن أصبنا فمن فضله
وكرمه وإن أخطأنا من نفوسنا المقصرة .


د. رجاء المحضار
أستاذة التربية الإسلامية - جامعة ام القرى
بواسطة : tarbnet
 0  0  2053
التعليقات ( 0 )