• ×

04:22 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

نور البصيرة .. بقلم د. حنان أبو لبدة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 
نور البصيرة
أدهشني خبر سمعته في إحدى محطّات التلفاز الفضائية ، مفاده أنّ امرأة كفيفة تعمل بمهنة الخياطة ؛ لتنفق على أولادها ، بعد أن فقدت بصرها وهي في السابعة من عمرها .
يا الله ! ، كيف استطاعت هذه المرأة وهي كفيفة ، أن تتقن الخياطة ، وهي مهنة تحتاج إلى دقة في النظر ؟! ، هل يمكن أن يمتلك الإنسان هذه الإرادة والعزيمة ؛ ليحقّق وجوده ، ويكفي نفسه ، ويجنّب نفسه حاجة الناس ؟ ، لا شكّ أنّ هذه المرأة لم تمتلك الإرادة وحسب ، وإنّما امتلكت أنفة ورغبة جامحة في الاعتماد الكبير على النفس ، وامتلكت قلبًا نابضًا بنور البصيرة ، أنار لها دربها ، وكلّل لها سبل النجاح .
و يا ليت المبصرين ب(عيونهم) يقفون عند حالتها وقفة تأمّل واقتداء ، فكم من مبصر امتلك كل أسباب القوة العقلية والبدنية ، لا يستثمر طاقاته ، ولا يقدّم لنفسه ولغيره شيئًا من العون ، وحياته يغشّيها التكاسل والتهاون والاتكال على الآخرين .
وأعجب لمن امتلك صحة وقوة ، ويتخذ من التسول مهنة ، يتكسّب منها ، دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن العمل ، يكسب به رزقه الحلال ، كما أمرنا الله عزّ وجل ّ ، كما في قوله : "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه "،الملك :15، فالمشي هنا يتضمن السعي ، والسعي - كما جاء في المعجم الوسيط ، ج1 / 431 (سعى) - يتضمّن العمل والكسب .
ثم ألا يجدر بأولئك الذين سخّروا أبصارهم لمراقبة عيوب الناس ، وتتبع أخطائهم ، أن يوجهوا أبصارهم إلى هذه المرأة التي أنارت ببصيرتها حياتها ، وحياة أولادها ، وعاشت وإياهم بعملها حياة كريمة ؟! .
ألا يعلّمهم نظرهم إليها بأن يُغيّروا الوجهة التي سلّطوا أنظارهم إليها ؟ ، كأن ينظروا إلى عيوب أنفسهم قبل النظر إلى عيوب الناس ، كما قال الإمام الشافعي :
وعينُك إنْ أبدت إليك معايبًا فصُنْها وقُلْ يا عينُ للناس أعينُ
وجدير بهم أن ينظروا إلى حاجات الناس ، وأن يسعوا إلى تقديم العون لهم ، ومشاركتهم أحزانهم وأفراحهم ، والنظر إلى كلّ ما يسبّب خيرًا لهم ، جاعلين بذلك من نور أبصارهم نورًا يعدل نور البصيرة .
د. حنان أبو لبدة
كليتا الآداب والتربية بأبها
جامعة الملك خالد
بواسطة : tarbnet
 0  0  1458
التعليقات ( 0 )