• ×

04:18 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

المحطـة الرابعـــة : سحر الكلمة الطيبة بقلم أ. خديجة لبيهي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 المحطـة الرابعـــة
-----------
سحر الكلمة الطيبة
إن رصد المواقف الاجتماعية ليس بالأمر الهين لأنه يقع على عاتقك دائما تحري النية الطيبة في سلوكيات الآخرين وتوقع الأفضل منهم، والابتعاد قدر الإمكان عن تصيد الأخطاء الذي يتنافى مع مبدأ الستر الذي يحثنا عليه دائما ديننا الإسلامي، وهذه معادلة صعبة علينا أن نتعامل معها بذكاء، وهو ما حاولنا العمل بموجبه عند ولوج تفاصيل المحطات السابقة.
ويستمر السير بنا ليصل إلى المحطة الرابعة التي صادفني فيها موقف فيه من التناقض والغرابة الكثير، فبينما كنت أبحث عن إجابة لتلك الأسئلة التي راودتني في المحطات السابقة لفت انتباهي ذلك الشخص الذي يظهر على شكله هيبة وشدة، في تلك اللحظة كان صوت المذياع يهز كل أرجاء الحافلة و من حين إلى آخر كانت هناك وصلات غنائية، ولم تكن صاخبة بل هادئة هدوء صاحب الحافلة الذي آثر أن يكون صوت الأغاني معتدلا لا هو بالقوي المزعج ولا بالخافت غير المفهوم.
وما إن استقر صاحبنا ذا الهيبة في مقعده من الحافلة حتى بدأ عليه الانزعاج من صوت الأغاني وهو ما كان يظهر في تململه ، فلما نفذ صبره نطق بصوت أزعج كل الحاضرين قائلاً :
" أغلق المذياع فهذا حرام".
هنا أتوقف لحظة لأقول إن صاحبنا نسي أنه في اللحظة التي سمح لنفسه أن يمارس حريته في الكلام قد تعدى على حق غيره وتدخل في تفاصيل لا تعنيه وبخاصةٍ أن أكثر ما يزعجني يتمثل في هؤلاء الأشخاص الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على أذواق الآخرين.
وتساءلت : ألهذا الحد تجذر فينا التدخل في خصوصيات الآخر؟
وأنا هنا لست مع صاحب الحافلة ، كما أنني لست ضد هذا الرجل ، ثم إننا لسنا في موضع أن نفتي هذا حلال أو حرام، فلماذا نتطفل على أمور لا تعنينا ونبدي رأينا فيها(حلال أو حرام) دون أن يُطلب منا ذلك ؟؟
لماذا نهرف بما لا نعرف ؟
إن هذا والله أمارة جهلنا، فمتى اعتقدت أنك الأفضل والأعلم في لحظة الاعتقاد تلك فأنت بذلك تؤسس لجهل مستقر، فالعالِم الحقيقي هو المرن المتواضع الذي يحتوي أخطاء الآخرين ويتقبلها بكل أريحية ، ودون أن يهز ذلك من ثقته شيئا.
ومعلومٌ أن نية صاحبنا كانت سليمة ، ولكن خانته الطريقة، فالطريقة الفضة التي تعامل بها مع الآخر والكلمات النابية التي نهر بها صاحب الحافلة، لن توصله إلى التغيير الذي ينشده ولن تساعده على نشر الفضيلة التي يؤمن بها، بل تجعل كل ما يلفظ به مكروها لدى المتلقي بالرغم من صحته وسلامته في حقيقة الأمر.
فقد كان من الممكن أن يحقق كل ما يريد بمزحة لطيفة وكلمة طيبة تسحر كل من يسمعه وتجعله ينصاع إليه بكل لين ورفق، وهذا النموذج منتشر للأسف بكثرة في مجتمعاتنا نصادفه أينما نتوجه في الأسرة أو السوق أو العمل ... إلخ ، فذلك المشهد يتكرر في كثيرٍ من المواقف مع اختلاف في بعض التفاصيل البسيطة.

فنلكن حريصين على ألاّ نعامل الناس بناءً على ما يلبسون أو يسمعون، فنحن لا نعلم خفايا قلوبهم ، وعلينا أن نحترم اختلافنا مع بعضنا، فالاختلاف سنةُ الحياة. ولنعلم أنه من الجميل جداً أن نمنح أنفسنا فرصة للتجول في عقول الآخرين ، وأن نستمتع بما تحمله من تباين في الرؤى واختلاف في الأفكار، وأن تكون هناك منطقة وسطية يمكن أن نلتقي فيها، وإلا فإنه لا يحق لنا أن ندعي أننا مثقفون ونحن بهذا التحجر والجمود الذي لا يترك للآخر مساحةً يتعامل معنا من خلالها بمرونة.
علينا تحري الطريقة الأرقى في التعامل مع الآخر، واختيار الكلمات الطيبة فإن لها سحر علينا أن نغترف منه دائما، وأن نحرص على الأناقة في تعاملاتنا اليومية ، فهذا كفيل بنقل عدوى الأناقة إلى كل ما فينا فتغدو الحياة أجمل وأسهل.

خديجة لبيهي
جامعة الوادي - الجزائر
بواسطة : tarbnet
 0  0  1360
التعليقات ( 0 )