• ×

12:56 مساءً , الخميس 26 ربيع الأول 1439 / 14 ديسمبر 2017

دور الأُسرة في أمن الـمجتمع .. بقلم أ.د. صالح بن علي أبو عرَّاد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 دور الأُسرة
في أمن الـمجتمع

بقلم الأستاذ الدكتور
صالح بن علي أبو عرَّاد
abuarrad@gmail.com


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن أمن المجتمع واستقراره من أهم أسباب قوته وعزته ورفعته وتقدمه لأن الفرد فيه يكون آمناً على نفسه وأهله وماله الأمر الذي يدفعه إلى دوام العمل والإنتاج بل وزيادته والابتكار والإبداع والتفكير الإيجابي في كيفية البناء والتطوير والتقدم، ولا يمكن أن يكون المجتمع ناجحاً ومنتجاً إذا كان غير آمنٍ وغير مستقر.
وعلى الرغم من كثرة تعريفات مصطلح (لأمن) إلاّ أن المقصود بالأمن الاجتماعي يعني:
(اطمئنان الفرد والأسرة والـمـجتمع على أن يحيوا حياة طيبة، لا يخافون فيها على أنفسهم وأموالهم وعقولهم ونسلهم وممتلكاتهم).
وهناك من يرى أنه يعني: (سلامة الأفراد والجماعات من الأخطار الداخلية والخارجية التي قد تهدد حياتهم وتحرمهم الطمأنينة والاستقرار).
وعلى الرغم من اختلاف تلك التعبيرات إلاّ أن مفاهيم الأمن الاجتماعي جميعاً تدور حول توفير حالة الأمن الشامل، والاستقرار العام، والطمأنينة في المجتمع بحيث يستطيع الأفراد التفرغ لأعمالهم وظروف حياتهم.
وفي حالة غياب الأمن فإن المجتمع يكون في حالة شلل وتوقف لأن العمل والبناء والإنتاج والإبداع لا يتحقق ولا يزدهر إلاّ في حالة السلام والاستقرار.
ولأهمية الأمن الـمجتمعي بعامة فإن مسؤوليته تقع على عاتق كل إنسان يعيش على أرض الوطن من مواطنين ومقيمين فهم الذين سوف ينعمون بالراحة والطمأنينة فيه، وبالطبع فإن المسؤولية الأولى تقع على الأسرة ؛ باعتبارها المنظمة أو المؤسسة الاجتماعية التي يخرج منها الـمواطن الصالح ؛ لذا يجب على الأسرة أن تعي دورها تماماً تجاه أمن المجتمع، وأن تقوم بدورها المنشود في هذا الشأن .
وقبل أن نتكلم عن إسهام الأُسرة في تحقيق الأمن المجتمعي نقف وقفة عاجلة مع المقصود بالأُسرة في الإسلام حيث تتكون الأسـرة في المجتمع الإسلامي ( في الغالب ) من مجموعة أفرادٍ تجمعهم فيها ظروف المعيشة الواحدة ؛ وتربطهم رابطةٌ شـرعيةٌ قائمةٌ على المودة والرحمة انطلاقاً من معنى قوله تعالى :  وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون َ ( سورة الروم : 21 ) .
ويأتي من أهم الوظائف التي يجب أن تُقدمها الأُسـرة لأعضائها - وبخاصةٍ الصغار منهم - العمل على إشباع حاجاتهم الضـرورية الـمُتمثلة في ما يُعرف بالحاجات الأساسية للنمو وتوجيه السلوك في الحياة ، سواءً أكانت هذه الحاجات عضويةً أو غير عضوية ، نفسيةً أو جسميةً أو اجتمـاعيةً ، ويأتي من أبرز هذه الحاجات ما يلي :
= الحاجة إلى النمو الجسمي والعقلي .
= الحاجة إلى الحُرية في التعبير والاستقلال الشخصي المنضبط .
= الحاجة إلى زرع الثقة والاعتمـاد على النفس .
= الحاجة إلى التقدير الاجتمـاعي .
= الحاجة إلى العدل والمساواة.
= الحاجة إلى المحبة والعطف والحنان المُتبادل.
= الحاجة إلى الشعور بالأمن والاطمئنان النفسي.
= الحاجة إلى اللعب والحركة والنشاط.
= الحاجة إلى التوجيه الصحيح والقيادة الواعية.
= الحاجة إلى القدوة الصالحة والأُسوة الحسنة داخل الأُسـرة.
= وغيرها من الحاجات الأُخرى.
كما أن من أهم الوظائف التي تقوم بها الأُسرة ولها علاقة بالأمن المجتمعي ما يُعرف بالتربية الاجتمـاعية ، وتتمثل في تربية الإنسان منذ الصغر وضبط سلوكياته ، وصيانة فطرته عن الانحراف ، وتعريف أفراد المجتمع بين فترةٍ وأُخرى بأخطائهم وأوجه القصور في تعاملاتهم ، والعمل على تصويبها وتعديل الخاطئ منها ، والحرص على تقديم النصح والإرشاد والتوجيه الصحيح الذي يُبين ويُحدد ما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات .
وهذا معناه أن للأُسـرة دورٌ فاعلٌ وضروري جداً في العملية الرئيسية التي يتم بموجبها تحويل الإنسان من مجرد كائنٍ حيٍ إلى كائنٍ حيٍ اجتمـاعي ومن ثم تـحويل سلوكه من سلوكٍ فرديٍ إلى سلوكٍ اجتمـاعي، يتعرف من خلاله على التفرقة بين الحق والباطل، والخـطأ والصواب، والحسن والقبيح.
يقول بديع الزمان سعيد النورسي:
" لقد قرأت (80000) كتاب لـم تؤثر فـيّ كما أثّرت أُمي في تربيتي في السنوات الأولى من حياتي".
والـمعنى أن الدور الأمني لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل أسرة واعية تحرص على أن تقوم بدورها في الحياة وأن تحقق لأبنائها الأمن الشامل الذي يضم :
الأمن النفسي ، والأمن الفكري ، والأمن الغذائي ، والأمن العقدي ، والأمن الاقتصادي ، والأمن الصحي، والأمن المعرفي ، والأمن الاجتماعي ، الأمن الثقافي ، ... إلخ بصورةٍ تُشبع حاجاتهم النفسية والعضوية التي تكون نتيجتها الطبيعية متمثلةً في الرغبة الأكيدة في انتشار الأمن والأمان ، وتوافر الطمأنينة في كيان المجتمع كله .
إلاّ أنه يُمكن القول إن مجريات الأحداث التي تشهدها المجتمعات البشرية قد أكدت على أهمية دور الأسرة الكبير في عملية استتباب الأمن وتحقيق الاستقرار والطمأنينة التي تنعكس آثارها على الأفراد والمجتمعات سلباً أو إيجاباً.
وهذا ما يؤكد الحقيقة التي تقول:
((إنّ قوة الأسرة هي قوةٌ للمجتمع، وضعفها ضعفٌ له)).
وحقيقة الأمر تؤكد أن الأمن والأسرة مكملان لبعضهما ، وبينهما رابطٌ وثيقٌ ؛ فلا حياة للأسرة إلا باستتباب الأمن ، ولا يمكن للأمن أن يتحقق إلا متى وجدت البيئة الأسرية المترابطة ، وتوافر الجو الاجتماعي الذي يسوده العطف والتآلف والتقدير والاحترام والمودة والرحمة والشفقة ، وتنتشر ثقافة حب الخير بين أفراده ، الأمر الذي يكفل بإذن الله تعالى تحقق الأمن الشامل والاستقرار الدائم ، الذي يحمي المجتمع من المخاوف ، ويبعده عن الانحراف ، ويمنعه من ارتكاب الجرائم .
والسؤال الذي يفرض نفسه يقول كيف يُمكن للأُسرة في مجتمعنا أن تُسهم في تحقيق الأمن المجتمعي الـمطلوب ؟؟؟
أولاً / الحرص على حقيقة التمسُك بالعقيدة الصحيحة التي لا يمكن أن يتحقق الأمن الافي ظلها وهي العقيدة الإسلامية الصافية التي تتفق مع فطرة الإنسان التي فطره الله تعالى عليها، لأن للدين والتدين أثره الواضح على النمو النفسي والصحة النفسية ، والعقيدة حين تتغلغل في النفس تدفعها إلى سلوك إيجابي صحيح يساعد الفرد والمجتمع على الاستقرار ، والإيمان يؤدي إلى الأمان ، وينير الطريق أمام الإنسان منذ طفولته ومروراً بـمـراهقته إلى رشده ، ثم شيخوخته .
ثانياً / أن يكون المجتمع حامداً لله تعالى وشاكراً لأنعُمه التي أسبغها الله تعالى عليه إذ إن الأمن الدنيوي الذي يرزقه الله الأمم والمجتمعات على مر التاريخ ، لا يمكن أن يدوم مع الكفر، فإذ حصل الكفر ولاسيما كفر النعم أبدلها الله بالخوف والجوع والحياة المضطربة والضنك والفقر وعدم الاستقرار ، كما قال تعالى :
((وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)) [النحل: 112].
ثالثاً / غرس مفاهيم حب الوطن والانتماء وترسيخ معاني الوطنية في نفوس أفراد الأُسرة على مدى سنوات العُمر ، فالوطن امتداد لحياة الآباء والأجداد واستمرار لهم ولمعنى حياتهم من خلال أبنائهم وأحفادهم في المستقبل ، شريطة أن يعي الأب والأم معنى الوطنية والانتماء
على النحو الايجابي السليم دون تطرف أو عصبية مقيته ؛ قبل أن ينقلوها إلى أبناءهم.
رابعاً / تذكير الأبناء دائماً بأن كل الخدمات والتسهيلات والمعطيات الحضارية التي يوفرها المجتمع إنما هي من أجل راحة المواطن وسعادته فالطرق والمطارات والمنتزهات والحدائق والمدارس والجامعات والمستشفيات ... إلخ ليست سوى أمثلة على ما يقدمه الوطن لأبنائه من خدمات .
ويجب عليهم أن يدركوا كم تكلف هذه الخدمات حتى تصل إليهم ليستفيدوا منها ويستمتعوا بها، ويقدروا لوطنهم توفير مثل هذه الخدمات التي قد لا تتوفر بسهولة لأبناء مجتمعات أخرى ، وبذلك تعزز الأسرة حب الوطن في نفوس الأبناء.
خامساً / حث الأبناء على حسن التعامل والاستخدام الأمثل لكل ما يقدمه الوطن ويهيئه من خدمات مجتمعية ، وتعويدهم المحافظة عليها بدءً من محتويات المنزل والمدرسة الى المتنزهات والحدائق والمرافق العامة على اعتبار أن ذلك من علامات حب الوطن والولاء له والحفاظ على المنجزات التي تكلف الوطن بعامة الكثير من الجهد والمال.
سادساً / ضرورة تغيير الـمفاهيم السائدة والخاطئة لـمقياس الرجولة في ثقافة مـجتمعنا ؛ فالظروف الزمانية والمكانية والأحوال وكثيرٌ من الـمفاهيم المجتمعية تتغير ولا تبقى على وتيرةٍ واحدة لأنها مرتبطة بعوامل اقتصادية وسياسية وأمنية وتوعوية وتعليمية ومعيشية ... إلخ. وهذا معناه أن لكل زمان مقاييسه الخاصة ومفاهيمه العامة القابلة للتغير وللتبدّل في حياة أفراده .
سابعاً / مساعدة الأبناء في الأُسرة على اختيار الرفقة الصالحة و تجنيبهم رفاق السوء إذ إن التربية الأُسرية لا يمكن أن تكتمل إذا كان في حياة الأبناء رفقةٌ سيئة يهدمون ما بناه الوالدان ، فمعظم الجرائم وتعاطي المخدرات والعنف والانحراف الفكري يقف خلفه رفاق السوء. لكن على الأبوين أن يدركا أن المنع وحده ليس كافياً ؛ فهناك قاعدة قديمة لا تزال وستظل سارية المفعول وقوية التأثير في واقعنا وهي أن كل ممنوع مرغوب ولاسيما عند صغار السن الذين لا يُدركون كثيراً من جوانب وظروف الحياة بعامة .
ثامناً / الحرص على غرس مبدأ تعاون الأسرة مع أجهزة الشرطة والأجهزة الرقابية والضبطية والوقائية الأخرى لأن ذلك من شأنه أن يُسهم كثيراً من أمن وسلامة المجتمع ، ولاسيما أن الأسرة بمثابة شرطي المجتمع الأول من خلال متابعتها لمدى التزام أبناءها وتطبيقهم للوائح والأنظمة في المجتمع ، وتعويدهم على طاعة القوانين واحترامها والامتثال لأوامرها ، والتبليغ عن الحوادث والجرائم والمخالفات ، والمبادرة الى تقديم العون والمساعدة للجهات الأمنية عندما تطلبها، والحرص على تقديم المعلومات المفيدة لرجال الأمن ومن في حُكمهم . وهذا يؤكد أن الأمن مسؤولية تضامنية يشترك فيها الجميع وبخاصةٍ أن رجال الشرطة ومن في حُكمهم يعملون من أجل أمن وسلامة المجتمع ، ومهمة التعاون معهم تُعد واجباً وطنياً على كل فرد من أفراد المجتمع أن يؤديه، ومن المعروف أن أجهزة الأمن لوحدها غير قادرة مهما بلغت جاهزيتها على مكافحة الجريمة ، ولابد من تعاون ومؤازرة مؤسسات المجتمع الأخرى وأولها الأسرة.
تاسعاً / إرساء مفهوم احترام النظام بين كل أفراد المجتمع ومختلف طوائفه ، والحرص على الالتزام باللوائح والتعليمات في كافة أنشطتنا الحياتية المجتمعية على مستوى قواعد المرور، ولوائح وأنظمة العمل والعمال ، وأنظمة السفر والإقامة ، وقوانين الحفاظ على البيئة ، واحترام حريات الآخرين والحرص على ممتلكاتهم ومصالحهم وسلامتهم انطلاقاً من مبدأ التعاون بين الجميع ، وما يتبع ذلك من حفاظ على حقوق الأخرين.
عاشراً / أن نعلم جميعاً أن كل ما سبق لن يتحقق منه شيء إذا لم نحرص ونجتهد في تحويل كل ما سمعناه إلى أعمال ، وتطبيق كل ما اقتنعنا به إلى واقع ؛ فالتنظير مهمةٌ سهلة وميسورة ، ولكنها تظل مجرد كلام يُقال ، ولا يُمكن أن يؤتي التنظير ثماره بدون تطبيق وتحويلٍ للقول إلى عمل .. قال تعالى :
 وقل اعملوا فسيرى الله عملكم  ، وقال سبحانه ::  من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .
وفق الله الجميع لصالح القول وجميل العمل، ونسأل الله تعالى في ختام هذا اللقاء أن يُديم على بلادنا نعمة الإيمان، والأمن والأمان، وأن يرزقنا طاعة الرحمان سبحانه، وأن يكفينا جميعاً من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين، واعتداء المعتدين، ومكر الـماكرين، وخيانة الخائنين، وظلم الظالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
بواسطة : tarbnet
 0  0  1319
التعليقات ( 0 )