• ×

04:19 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

النسبية التاريخية ... بقلم د.عبدالعزيز السيد عبدالعزيز

د.عبدالعزيز السيد عبدالعزيز

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 النسبية التاريخية
د.عبدالعزيز السيد عبدالعزيز
جامعة الملك خالد

يقول كثير من العلماء إن كل عصر ينبغي أن يكتب التاريخ من وجهة نظره؛ لأن تقدير كل عصر لما هو مهم وذو معنى بالنسبة له يختلف عن تقدير العصر الآخر، فكل عصر يحاول أن يرى الماضي من خلال اهتماماته والأفكار السائدة فيه.
ومن هنا قال كثير من المؤرخين إن التاريخ حوار بين الحاضر والماضي، وهذا يكشف لنا جانب مهم في الدراسة التاريخية، ذلك أن التاريخ كدراسة للإنسان وأعماله تتأثر صورته التي يراها المؤرخ تأثراً واضحاً بالأحوال المادية والمعنوية في الوسط الذي كتبت فيه، وليس هذا عيب أو مأخذ على التاريخ، الاجتماعية والإنسانية تخضع لهذا التأثير.
ولعل هذه المقدمة تضعنا في مواجهة تساؤل مهم في هذا المجال وهو: ما طبيعة التاريخ أو بالأحرى ما فائدة التاريخ؟! هل فائدة التاريخ مجرد التأصيل العلمي المنهجي للحاضر دون اتخاذ موقف أو إصدار حكم على مدى توافق مسارات ذلك الحاضر مع دروس التاريخ وقوانينه؟!
أم أن فائدة التاريخ بالإضافة إلى ما سبق تنطلق إلى أبعد من ذلك باعتباره –التاريخ- تجربة مكتملة بكل جوانبها ونتائجها الإيجابية والسلبية، ومن ثم فالتاريخ هو الأقدر على تسليط الضوء على جوانب الخلل وأوجه القصور التي تكرر نفس أخطاء الماضي.
حقيقة الأمر أن مفهوم التاريخ وطبيعته وفائدته هي عملية نسبية تختلف من مؤرخ لآخر، بل إن شئت قلت تختلف لدى المؤرخ ذاته من مرحلة إلى أخرى حسب وعيه وإدراكه وقناعاته وقيمه واتجاهاته، وهذا الأمر يسري على المجتمعات أيضاً، فقدرة المجتمعات على الوعي بالتاريخ وإدراكه وحسن تصوره وفهمه وتحليله وتفسيره تختلف بحسب ظروف المجتمع ودرجة تقدمه ونهوضه.
ونذكر هنا مثالاً من الاختلاف الواسع المدى الذي يمكن أن يقع بين المؤرخين أو فلاسفة التاريخ حول طبيعة التاريخ وفائدته.
النموذج الأول: عبد الرحمن بن خلدون( توفي 17مارس 1406م) الذي وضع نظرية دورة العمران، قال فيها إن مسار التاريخ دائرة مغلقة لا تزال الأمم تدور فيها إلى أن يطوي الله الأرض وما عليها.
النموذج الثاني فردريك هيجل( 1770- 1831م) الذي يرى أن مسار التاريخ خطاً مستقيماً يبدأ من البداوة والتوحش، ولابد أن ينتهي يوماً ما إلى تحرر البشر جميعاً وعيشهم في سلام في ظل القانون.
والمهم هنا أن فكر كل من أبن خلدون وهيجل قد نبع من تجربته الخاصة والطريق الذي سارت فيه تجربة الأمة التي انتسب إليها، فقد عاش ابن خلدون في عصر شقي مضطرب، وتلفت وراءه فرأى أن تاريخ أمم العروبة يتلخص في سلسلة من التجارب الحزينة الفاشلة، فساء ظنه بالناس والدنيا، وصور تاريخ البشر في هذه الصورة البائسة؛ أما هيجل فقد كتب في عصر وصل الغرب الأوربي فيه إلى استقرار نسبي ورخاء وغنى وسيادة، فامتلأت نفسه بالتفاؤل وقال إن الإنسانية تسير من حسن إلى أحسن، وإنها ستصل في يوم ما إلى هدفها الأسمى.
وجملة القول في هذا الشأن أن حال المؤرخ كما هو حال المجتمعات، مهما فعل فهو لا يرى الماضي إلا من خلال عصره، أي أنه لا يستطيع التخلي عن مفهوماته والمقاربات النسقية السائدة فيه، وهذا المعنى هو ما يعبر عنه بما يسمى ارتباط التاريخ بالحاضر، أو بالأحرى تأثير الحاضر على الماضي، فالتاريخ في جوهره حوار بين الماضي والحاضر، وهو إعادة كتابة وإعادة تفسير مستمرتان، العامل المؤثر فيهما هو القدرة على الفهم والإدراك والوعي، وعلى ذلك فالكلمة الأخيرة في أي عصر أو أي حدث تاريخي لم تكتب بعد، وهذا ما يجعلنا نرجع النظر في قول من يتصورون أنهم وصلوا إلى كبد الحقيقة التاريخية.
بواسطة : tarbnet
 0  0  587
التعليقات ( 0 )