• ×

04:14 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

مفهوم "التعليم البنكي" عندباولو فريري 1921- 1997م (Paulo Freire). بقلم/ د. لطفي حجلاوي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 مفهوم "التعليم البنكي" عند باولو فريري 1921- 1997م (Paulo Freire).
بقلم الدكتور لطفي حجلاوي، كلية التربية، جامعتي قرطاج والملك خالد.
تمهيد: باولو فريريأو "معلّم الكبار" هو تربوي ومصلح اجتماعي ومفكر إنساني برازيلي، اُشتهر كثيرا بالعمل مع تعليم الكبار وبرامج مكافحة الأمية. ساهم في اصلاح التعليم في بلده في التسعينات من القرن العشرين. عُرف بمقاومته الشديدة للاستغلال الاجتماعي. أنجز اطروحة دكتوراه في الخمسينات حول ظاهرة الأمية لدى الكهول، وقد لا حظ فيها أنه توجد علاقة بين تفشي الجهل والأمية بين الطبقات الضعيفة وبين سهولة استغلالهم. فاكتشف أن الحل في مقاومة ظاهرة الاستغلال الاجتماعي يكمن عبر رفع الجهل والأمية أي عبر التربية. فكرّس جزءا كبيرا من حياته متنقلا بين أرياف البرازيل وقراها ومزارعها يُعلّم النّاس مجانا وعلى نحو تطوعي. وأشتهر بابتكاره لطرق جديدة في التعليم تُساعد الكبار على التعلّم بسهولة ويسر. عرف في أوربا والغرب بكتابه "تعليم المقهورين" ولاقت افكاره التربوية رواجا عظيما. وتسمى نظريته في التعليم بالتعليم الحواري والتعليم التحرري. وأهم مفاتيح نظريته مفهومه المشهور "التعليم البنكي
image
في كتابيه " تعليم المقهورين" و"رسائل إلى الذين يتجاسرون على تخاذ التدريس مهنة" يبسط فريري أهم عناصر أطروحته المُركّبَة من بعض التحليل السوسيولوجي sociologicalanalysis والممارسة التربوية والتأملات الأخلاقية والفلسفية. وأهم عناصر هذه الأطروحة تتمثل في اتهام التربية في المجتمعات الطبقية بكونها أداة قهرية في يد الطبقات المُسيطرة من أجل تأبيد القهر الاجتماعي وتأبيد سيطرة ومصلحة الأقوياء.
وقوام هذه التربية القهرية هي تمرير أوهام بالطبيعة العفوية لدونية المستضعفين، وتنطلي بفعل تقنيات المداومة والاستمرار التربوية فكرة أن دورهم يتمثل في تقمّص وضع المستضعفين إلى الأبد. وينجح هذا التّكيف القهري في إطالة عمر الاستغلال والظلم الاجتماعي، بل وتبريره. فالتربية في المجتمعات القهرية لا تشكّل المجتمع، رغم أن هذا هو دورها في الأساس، وإنّما يتم تشكيلها من قبل المجتمع وفقا لمصالح السلطة المسيطرة.
اقترنت شهرة فريري بشهرة مفاهيمه عن "التعليم التحرري" و"المنهج الخفي" و"بيداغوجيا المقهورين"، ولكن وبشكل أساسي مفهومه الذي فاقها جميعا شهرة وهو " التعليم البنكي". ويعنى "التعليم البنكي" نمطا مقصودا من التعليم التلقيني القائم على حشو الذاكرة دون إيقاظ كفايات التفكير الفردية وقدرات حل المشكلات وتطويرها لدى التلاميذ. ويساهم هذا النمط من التعليم البنكي في خلق أدوات تنفيذية طيّعة للرأسمالية و"ثقافة الصمت" أكثر من خلق عقول حقيقية فاعلة في ساحات الإنتاج وفي ساحات الامتلاك. ومن هنا فإن السّلوك الإبداعي أو بالأحرى التفكير الإبداعي يقع خنقه في فئات اجتماعية معينة هي المحرومة اقتصاديا، ويقع تطويره في مراكز القيادات الاجتماعية فحسب.
إن أعداء الإنسان حسب باولو فريري وهو يتحدّث عن البرازيل كمثال لبقيّة العالم المُستضَعف، هم الفقر والجهل والأمية. والقوى الشريرة في العالم تعمل على التحالف مع هؤلاء الأعداء لضمان مصلحتها. وقوى الشر موزّعة بين الاستعمار والتّخلف والظلم الطبقي. ويمكن للتربية أن تتحوّل من سلاح لتكريس نمط قهري للتنشئة الاجتماعية إلى نمط تحرري من خلال بنائها وتوظيفها على النحو الذي يحقق الأهداف الأخلاقية الصّحيحة. فالتربية يمكن أن تقود العالم إلى وضع أحسن بكثير مما هو عليه الآن، لكن قوى الظلم والقهر تعمل ما بوسعها على عكس ذلك. والتّربية المناسبة هي تلك المبنية على هامش كبير من الحرية للمُتعلم، والقائمة على الحوار وتبادل الآراء البنّاءة، والتعاون في حل المشكلات، وتغيير محتوى التعليم لصالح المقهورين المعذبين باستخدام أساليب تحليل الواقع وفهمه، والعمل على تغييره باستمرار لخدمة أوسع جماهير الشعب.
تتسم فلسفة فريريالتربوية الاجتماعية بإيمانها في النّهاية بإمكان تغيير دور التنشئة الاجتماعية من قهر الإنسان إلى تحريره. توفي هذا المفكر الإنساني البارز (1997) وهو يشهد بدايات نهضة المجتمع البرازيلي وتزايد الوعي التحرّري بداخله، وانطلاق كفايات أفراده الإبداعية نحو العمل والخلق والبروز عالميا.
والسؤال: هل أن تعليمنا العربي في شكله الحالي يحرّر قدرات المتعلم ومواهبه وينمى قواه وجميع جوانب شخصيته؟ أم أنه لا يزال مثالا للتعليم البنكي؟
بواسطة : tarbnet
 0  0  821
التعليقات ( 0 )