• ×

04:20 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

الأمن النفسي ... بقلم/ د. إيناس الشافعي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 الأمن النفسي
د. إيناس الشافعي
الأمن في مفهومه العام يعني الاطمئنان وعدم الخوف، ولعل الحديث عن الأمن النفسي من الأهمية بمكان، وخاصة أن النفس الإنسانية هي إحدى المكونات الأساسية للإنسان فهي القوة المحركة والطاقة الكامنة وهي منبع الرغبة ومنشأ الميل وأساس الهوى.
ورغم أهمية المكونات الأخرى كالروح التي هي سر إلهي، وأمر رباني بوجود الحياة؛ورغم وجود العقل الذي هو وظيفة التفكير ومناط التكليف؛ ورغم أهمية الجسم الذي هو وعاء لكل المكونات السابقة؛ تظل النفس ومن ثم أمنها وترقيتها أمراً بالغ الأهمية وعظيم الأثر في تكوين الإنسان وحياته ومن ثم صبغ الإنسان بصبغة معينة.
ومن هنا فإن الأمن النفسي يمكن النظر إليه باعتباره حالة عامة من الاطمئنان والرضا يصل إليها الإنسان عبر ارتقائه في مراتب وحالات للنفس تختلف باختلاف درجة الصفاء والرقي والخلاص من أدران ومنغصات تلك النفس.
فالنفس الأمارة بالسوء وهي أسوأ حالات النفس الإنسانية التي تلح على طلب المرغوب مهما كان ما يحصل في سبيله أو يترتب عليه من ضرر على الطالب. والنفس اللوامة وهي النفس النادمة على الأمر بالسوء أو التفريط في خير مضى لم يكن لها منه حظ أو نصيب، وهي النادمة على ما اقترفت أو زينت، ومن هنا يأتي اللوم. أما النفس المطمئنة فهي النفس التي لم تضمر شراً يقلقها، ولا تأتي سوءً تندم عليه؛ ولكنها الحالة الراضية غير المضطربة ولا الخائفة، فهي غير حزينة على ما فات ولا خائفة مما هو آت، فهي مطمئنة إلى قدر الله راضية بقضائه، وهي الراجعة إلى الله في كل شئونها، ومن ثم فهي المرضي عنها من الله تعالى.
ولعل من الضروري هنا التأكيد على أن الأمن النفسي باعتباره حالة عامة من الاطمئنان والرضا هو حالة ليست قائمة بذاتها، ولكنها نتيجة متحصلة من عدة مقومات وتستند لعدد من الركائز والأسس وتستقي جوهرها من مصادر وينابيع لعل من أهمها وفي صدارتها الإيمان بالله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وأداء حقوقه والقيام بعبادته وفق منهجه حق القيام.
فالإيمان بالله هو نقطة البداية والانطلاق للنفس الإنسانية في أمنها وعد م خوفها، ذلك أن الإيمان بالله الخالق القادر الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، يعني الشعور الدائم بأن الإنسان في ملكوت من لا يغفل ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ومن ثم يعيش الإنسان في حالة اطمئنان على الدوام، وحتى ما قد يواجه الإنسان من شر أو ضرر في ظاهره فهو يعرف أن قدر الله كله خير مهما بدا في ظاهره غير ذلك.
كما أن العبادات المفروضة كالصلاة التي هي صلة دائمة وشعيرة متكررة في اليوم والليلة خمس مرات غير التطوع والنوافل هي في جوهرها عملية اتصال دائم وتذكير مستمر للنفس الإنسانية بخالقها وباريها وراعيها؛ والزكاة التي هي حق معلوم وقدر محسوب في المال بأنواعه يجعل النفس متطهرة وزكية باستمرار من الشح والبخل وهي (الزكاة) تدريب مهم لتعويد النفس على حب الآخرين والتودد لهم بما تحب والعطاء مما تملك، ومن ثم فهي تطمئن وتأمن جانب الآخرين وخاصة المحرومين، فمن أين يأتي الخوف والقلق والتوتر على النفس من ذاتها أو من غيرها؛ والصوم الذي هو في جوهره تدريب وترقية للنفس بالامتناع عما هو مباح ، الأمر الذي يجعل الامتناع عما هو غير مباح أولى وأيسر وأحرى، ومن هنا تتخلص النفس مما هي مجبولة عليه، ولا تمد رغبتها إلى ما مُتع به غيرها، ومن ثم ترتقي النفس وتطمئن وتأمن على ذاتها من ذاتها ومن غيرها.
فجوهر الإيمان ومضمون العبادات هو بناء النفس وتنميتها وترقيتها وتخليصها من كل ما قد ينشأ فيها أو يدخل إليها مما يبدل فطرتها، أو يعكر صفوها، أو يغير نقائها، وبالتالي تظل على فطرتها النقية، وتعود أدراجها إذا ما حادت عن الوجهة السليمة والطريق القويم. فهي تهتدي بهدى الله وترى بنوره وتسير على دربه، وتلتزم صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وهذا هو السبيل لتحقيق الأمن النفسي الذي يجعل النفس الإنسانية راضية مرضية ومطمئنة.
بواسطة : tarbnet
 0  0  482
التعليقات ( 0 )