• ×

04:20 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

الزمن البديل .. بقلم/ د. عبدالعزيز السيد عبدالعزيز

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 الزمن البديل
د. عبدالعزيز السيد عبدالعزيز
مفهوم الزمن من أكثر المفاهيم ارتباطاً بحياة الإنسان وفكره، فلا يمكن فهم حادثة أو ظاهرة معينة إلا في إطار ظرفها الزمني؛ ومن هنا فإن تجريد أي موضوع أو حادثة من ظرفها الزمني يعني هدم أحد أركانها ومن ثم لا يمكن فهمها وإدراكها إدراكاً صحيحاً.
فحياتنا عبارة عن سلسلة من اللحظات المتعاقبة، ولعل الحاضر هو الوقت الوحيد الذي نملكه فما نكونه ونعيشه ونفكر فيه ونشعر به في اللحظة الحالية هو الذي يقرر ويشكل حياتنا، واللحظة الحالية هي نقطة القوة الوحيدة التي يمكننا أن نستخدم فيها كامل قوتنا وكل طاقتنا، ورغم ذلك فإن اللحظة الحالية ( الحاضر) موجودة كتصور ذهني وحسب، برغم أنه الواقع أو بالأحرى الوقت الذي تجتمع فيه كل قوى الإنسان الخلاقة، فجميع آمالنا وتطلعاتنا المستقبلية وحتى ذكرياتنا الماضية يمكن أن تلتقي مجتمعة فقط في اللحظ الحالية؛ ذلك أن تلك اللحظة هي النقطة الوحيدة التي تتلاقى فيها جميع الأشياء.
ونحن عندما نفكر في الماضي فإنه يكون مخزوناً في العقل كحاضر سابق، ثم عندما نفكر في الماضي متى يكون ذلك؟ إن ذلك يكون في اللحظة الحالية "الحاضر" كذلك عندما يأتي المستقبل يأتي ليكون حاضراً. ثم عندما نفكر في المستقبل متى يكون ذلك؟ إن ذلك يكون في اللحظة الحالية "الحاضر"، ومن ثم فالماضي والمستقبل ليس لهما واقع مستقل بكل منهما، فحقيقتهم أو واقعهم "مستعار من الحاضر"
هذه الأمور والمفاهيم السابقة تكشف بجلاء عن أن نقطة قوتنا يمكن أن تتواجد فقط في اللحظة الحالية "الحاضر" فنحن نحقق ما نريد في الحاضر سواء بالتجسيد المادي لهذا الشيء فوراً أوفي وقت لاحق ، لكن تحققه يكون دائماً في الحاضر . ومن ثم فعندما نقضي معظم وقتنا في الندم على الماضي والعيش فيه ، أو القلق على المستقبل والخوف منه والتطلع إليه فإننا نقتل الحاضر الذي يحدث فيه كل أشكال الإبداع وتتحقق فيه الجهود الإيجابية البناءة.
فقط أفكارنا واتجاهاتنا وعواطفنا وقراراتنا الحالية هي التي لها قوة وتأثير، ليس ما حدث لنا في الماضي هو الذي يحول بيننا وبين أن نحيا حياة ناجحة وسعيدة في الحاضر، ولكن الأمر يتوقف على مدى تشبثنا بالماضي عن طريق عيشنا آلامه وجراحه وإخفاقاته من جديد في الحاضر؛ كما أن حالة الانتظار المستمر للمستقبل الذي نريده كبديل عن العيش في الحاضر هو أيضاً الذي يصرفنا عن اللحظة الحالية أو الحاضر الذي لا نشعر به إلا وقد انصرف عنا وتفلت منا إلى الماضي، ومن ثم يضيع الحاضر بين استغراق في ماض انقضى وفات وانتظار لمستقبل هو بلا شك مقبل وآت.
والخلاص من هذا الصراع الزمني داخل الإنسان لن يتحقق إلا من خلال تنمية القدرة على كسر عادة إغفال اللحظة الحالية، وتعلم صرف انتباهنا من الماضي والمستقبل في أي وقت لا تكون هناك حاجة إليهما، إن على الإنسان التعود على التركيز على الحاضر، وإن كان لابد فاعلاً فعليه القيام بزيارات قصيرة هادفة لماضيه ومستقبله متى كان ذلك ضرورياً ومهما من أجل بناء الحاضر بدلاً من الفرار إلى الزمن البديل.
بواسطة : tarbnet
 0  0  363
التعليقات ( 0 )