• ×

04:21 مساءً , الإثنين 23 ربيع الأول 1439 / 11 ديسمبر 2017

بصمة فرح و لكن … بقلم د. حنان أبو لبدة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 بصمة فرح و لكن ……

من ضمن البرامج التي خططت لها اللجنة الاجتماعية لخدمة المجتمع في قسمنا في الجامعة زيارة المسنات في دار الرعاية في مدينتنا، وتمّ تحديد الموعد ، وقمنا بالزيارة برفقة الزميلات المسؤولات عن هذه اللجنة.
وفي الحقيقة لم أكن عضوًا في اللجنة ، غير أنّ الزميلات شجعنني على مرافقتهن، ترددت أوّل الأمر ؛ لأني خفت من أثر ذلك في نفسي، غير أني قاومت ذلك الهاجس ، وذهبت معهنّ برفقة عدد من الطالبات المبادرات للزيارة ، وقد حملن معهنّ بعض الطعام و الهدايا للمسنات .
وعندما وصلنا وجدنا طالبات مدرسة ابتدائية سبقننا في الزيارة ، فدعتنا المسؤولة للانتظار قليلًا حتى تقدم الطالبات برنامجهنّ ، وبعد ذلك تدمجنا معهن في وقت واحد .
لم يطل انتظارنا ، ودعتنا المسؤولة والتقينا بالمسنات ، وسلمنا عليهنّ ، واستمرت الطالبات الصغيرات بإلقاء الأناشيد والرقص وإضفاء جو من الفرح أسعد المسنات ، وأسعد جميع الحاضرات .
وبدأت طالباتنا بتقديم الطعام والهدايا للنساء ، ثمّ قدّمنا برنامجنا ، وحاولنا إسعاد النساء بالكلمات والأناشيد والغناء معهنّ ، …..، كان الجوّ مليئًا بالفرح والابتهاج ، وسعدنا جميعًا بما قدّمن ، بحمد الله تحققت غايتنا ، بأن ندخل الفرح إلى قلوب النساء في الدار .
ورحنا مع الطالبات نحادث النساء القادرات على الكلام ، نحاول التفاعل معهنّ قدر الإمكان ، ومما آلمني واغتال فرحي في تلك اللحظة موقف لا أنساه ما حييت ، حيث اقتربت طالبتان من إحدى المسنات ، يبدو عليها الحزن ، وحاولا التفاعل معها ، فسألاها عن حالها ، قالت : الحمد لله بخير ، لكني أدعو على أولادي …..، وصمتت، موقف لخّص تلافيف الحزن الذي يهيمن على مظهرها .
رغم أنّ ما شاهدناه من رعاية لهؤلاء النساء من قبل المسؤولات والعاملات ، غاية الإخلاص واللطف والبشاشة طوال الوقت، ولكن هل تعوّض هذه الرعاية أمًّا عن رعاية أبنائها الذين أتوا بها إلى هذه الدار ؟ بغض النظر عن الأسباب التي دفعتهم إلى ذلك .
ولو أحسنّا الظن بهم وافترضنا أنّ لديهم ظروفًا قاهرة حالت دون رعاية والدتهم بينهم ، وتلبية احتياجاتها في بيوتهم ، والإتيان بها إلى الدار ، فهل يمنع ذلك من برّها بطريقة يقدرون عليها ، والأمّ رحيمة تقدّر ظروفهم وترحم حالهم ، لكنّ ما يبدو أنهم لم يشغلوا أنفسهم ببرها لا قولًا ولا فعلًا ، مما دفعها - وهي فيض رحمة من الله مهداة إليهم - للدعاء عليهم .
هل تنجب الأم أبناء وتعاني وتكابد وتسهر على راحتهم العمر كله حتى يتخلوا جميعًا عن مسؤوليتهم تجاهها ، أيصل العقوق إلى هذا الحد؟.
عندما يكبر الوالدان لا يجدان أثمن من العيش بين أبنائهما وأحفادهما يعيشان في بيتهما الذي كان ممتلئًا بالأبناء عندما كانوا صغارًا.

تبًا لمن خسر رعاية والديه أو أحدهما ، ما أقصر نظره ! ، وما أشدّ خسارته ! ، سيأتي اليوم الذي يكبر فيه ، ويضعف ويحتاج إلى رعاية أبنائه ، ويتخلّى عنه ابناؤه ويلفظونه خارج بيته، مثلما فعل بوالديه ، فكما تدين تدان ، ألم يلتفت إلى قول الله تعالى : " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا " ؟. الإسراء/23 .
كم كنت أطمح أن أؤرّخ لحظات الفرح ، كم كنت أرجو أن أرى بريق الابتهاج يلمع في عيون المسنّات ، ويضفي على مُحيّاهنّ مظاهر الأمل ، هؤلاء اللواتي تنطوي حياة كل منهنّ على قصة كدّ وكفاح، أسعدني أننا طبعنا بصمة فرح في نفوسهنّ ، ولكن يبقى في القلب غصّة.


د. حنان أبو لبدة
كلية العلوم الإنسانية بأبها / جامعة الملك خالد
بواسطة : tarbnet
 0  0  41
التعليقات ( 0 )