جود .. بقلم د. حنان أبو لبدة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 جود
كان رجلاً يقارب الستين عامًا، متفائلاً، مُحبًّا للحياة، يتمتّع بذوق رفيع، من أقدر الناس على اختيار الملابس الجميلة للصغار والكبار، ذكوراً وإناثاً.
كان لا يبخل على أبنائه وأحفاده وزوجات أبنائه بالهدايا، والملابس، ما رأيت أجمل من ذوقه في اختيار ما يناسبهم، وكانت لديه - علاوة على ذلك - القدرة على معرفة مقاساتهم بدقة، وقد تبدو هذه المزايا عادّية لبعض الناس، ولا تثير اهتماماتهم ولكنها في نظري عظيمة، تكشف عن شخصية إيجابية، لم يمنعها تقدم السن من ممارسة أمور تسبب الفرح لأفراد العائلة كلّها.
وظل الرجل على هذه الحال، يتدفق حيوًية وعطاء وخيرًا ، إلى أن باغته مرض مفاجئ، وبعد إجراء الفحوصات اللازمة له، تبيّن أنه مصاب بمرض عضال، يقتضي إبقاؤه في المشفى ؛ لتلقي العلاج اللازم، سأل أبناءه عن حقيقة مرضه، ولم يخبروه، وطمأنوه، حرصًا عليه، وخوفًا من تدهور صحته، إذا علم حقيقة مرضه، غير أنه كان يحسّ أنه يفارق الحياة، وأًنً موته صار وشيكًا.
ولم يغيًر إحساسه بدنوّ أجله طبعه الكريم، إذ كان يملك بضعة آلاف من الدنانير، اقتطع منها ما يكفي تكاليف إكرام الناس بعد موته، خلال أيام العزاء، وما تبقّى من المال يوزّع على أبنائه حسب ما ورد في الشرع من أحكام في توزيع الميراث.
وليس هذا وحسب، فحين كان يتلقّى العلاج في المشفى، طلب من أبنائه إحضار الحلوى والفاكهة، وغيرها من الأطعمة ،رغم أنّ مرضه يقتضي تناول ألوان معيّنة من الأطعمة، يحددها الأطباء؛ لأن العلة كانت في كبده، وأخبر أبناءه بأنه يريد الطعام للمرضى المرافقين له في غرفته، وأصّر على طلبه وظلّ يفعل ذلك إلى أن غادر المشفى.
هكذا عاش كريمًا، وظلّ كريمًا وهو يدنو من الموت، ومات كريمًا في صباح يوم جمعة من أيام رمضان الكريم، في جوَ مطير........
سقاه الله من شآبيب رحمته ، وجزاه الفردوس الأعلى من الجنة.
د. حنان أبو لبدة
كلية العلوم الإنسانية بأبها / جامعة الملك خالد
بواسطة : tarbnet
 0  0  145
التعليقات ( 0 )

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.